سمير بسباس — أزمة المؤسسة التعليمية وفقدانها لدورها التربوي

La crise de l’éducation dans une société privatisée — par Besbes Samir
mardi 8 mai 2012
par  LieuxCommuns

Ce texte est un extrait d’un livre publié prochainement, qui traite de la crise de l’éducation et du travail dans les sociétés contemporaines.

Rompant avec une conception simpliste et dépassée d’une éducation démocratique qui se résume à un partage d’un savoir morcelé et neutre, il aborde l’éducation et le travail en tant qu’institutions sociales : A côté de leur rôle fonctionnel existe un autre rôle, imaginaire, qui ne relève pas d’une nécessité ou d’un choix rationnel mais est déterminé et conditionné par l’imaginaire global qui irrigue toute la société.


« تقرا ما تقراش المستقبل ما ثماش » : هو شعار رفعه الطلبة والتلاميذ في السنوات الستين والسبعين من القرن الماضي ويرمز إلى حقيقة جديدة مفادها أن التعليم لم يعد وسيلة للارتقاء الاجتماعي وهو يبرز أيضا استبطان فكرة في المجتمع تعتبر أن التعليم أداة للرقي وتحقيق المستقبل ولنقل الرّافع الاجتماعي.

لكن أي تعليم وأي مستقبل؟ يتساءل البعض ما الفائدة من التعليم؟ قد لا يجد الأستاذ الجواب أو يتغافل عنه أو حتى يعتبره حطا من دوره واستنقاصا له وقد يحار في الحصول عن الإجابة علما بأن هذه المسألة قد تطرّق لها الفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاد ورجال البيداغوجيا ولم يعثروا لها من إجابة تشفي الغليل. في معظم الأحيان يجد الأستاذ نفسه في وضعية المدافع المستميت عن دوره وعن أهمية التعليم في تقدّم المجتمعات دون أن يخطر بباله ولو للحظة أن يتساءل عن الغاية الفعلية للمؤسسة التعليمية لأن الجواب بديهي ومحفوظ في الكتب وراسخ في الأذهان. لكن المسألة تتعقّد كلما انتقلنا من البحث عن جدوى التعليم وأهميته في ضمان المستقبل إلى البحث في معنى التعليم. فمن البحث في منافع التعليم إلى البحث في المعنى من نقل المعارف ودور المؤسسة التعليمية في ذلك هناك أشواط ومسافات تتطلب الجهد والإمعان. يؤول بنا هذا السؤال مباشرة إلى موضوع أهم ألا وهو فقدان المؤسسة التعليمية لمعناها ويتجلى ذلك في الإحساس بالإحباط لدى عديد الأساتذة والمعلمين والمواطنين أمام معاينتهم للأزمة الخانقة التي تحف بقطاع التعليم ولنقل التدريس بصفة عامة. فأمام تدني المستوى التعليمي يحتار الأستاذ ويشعر باليأس والخيبة إذ أن جهوده تذهب سدى. ليست هذه سمات خاصة ببلدنا ولكننا نلاحظ علاماتها في كل أصقاع العالم. فحتى النظام التعليمي في البلدان الغربية يعاني من أزمة خانقة ومن التفكك والانهيار وهذا جلي منذ أكثر من ثلاث عقود وما تعاقب الإصلاحات وتنوّع البرامج إلا دليلا على هذا التخبط والحيرة. في الحقيقة لا يعود هذا التفكّك إلى أزمة خاصة بالنظام التعليمي ولكنه نتاج لمسار تاريخي للمجتمعات الغربية وحتى بلدان الجنوب والذي أدى إلى تغيير جوهري لنظام التعليم رافق التحولات الاجتماعية والمتميزة بهيمنة العقلية الاستهلاكية وتذرّر وتفكّك المجتمع مما يهدّد وحدته. لا تكفي معاينة أزمة المؤسسة التعليمية التي أصبحت جلية منذ السبعينيات للخروج باستنتاجات وحلول خاصة بهذا الميدان. لا أدعي أن النظام التربوي قد انهار بصفة نهائية وهذا يجرنا إلى البحث في عوامل صموده النسبي رغم ما يعتريه من مصاعب. لا أقدّم هنا حلولا سحرية ولا أدعي التوصل إلى إجابات ولكني أردت أن أقف على أزمة التعليم (والأزمة بمفهومها اليوناني الأصلي تعني لحظة مفارقة وحاسمة لقول أو فعل شيء لتجاوز المعضلة).

المدرسة والمؤسسة التعليمية بصفة عامة في أزمة. لا ينفي هذه الحقيقية إلا من تعامى وتجاهل هذه الحقيقة ورفض الإنصات للدعوات ولصيحات الفزع التي ما فتئت تصم بها آذاننا وسائل الإعلام والدراسات الاجتماعية والحوليات والمجلات المختصة في ميدان التعليم دون أن تهتدي للحلول وليس دليل على ذلك سوى جيش العاطلين من أصحاب الشهادات والذين ما فتئت أعدادهم تتزايد. من العلامات البارزة لهذه الأزمة الفشل في الدراسة وفقدان الثقة وخيبة الأمل والشعور باليأس والعجز وكلها مشاعر يتفق عليها الأولياء والمدرسون وطلاب العلم. من ناحية أخرى نلاحظ استفحال ظاهرة العنف في المدارس وبروز سلوكيات غير حضارية وتراجع سلطة المدرسين وعجز المؤسسة التعليمية عن ضمان ديمقراطية فعلية للتعليم وتراجع المستوى التعليمي وكلها علامات بارزة لهذه الأزمة. بطبيعة الحال وحسب هذا الظرف أو ذاك والفترات يطفو هذا الجانب أو الآخر ويحتل الصدارة في الإعلام ولكن تداخلها وتشعبها يجعل من الحلول الظرفية والمؤقتة والمحدودة أمرا مستحيلا ما دمنا لم نتطرق للمسألة في تكاملها. أمام كل ذلك تطبل علينا وسائل الإعلام وتدخل في مهاترات لا جدوى منها بل تبعدنا عن المسألة الأم وتحول دون استبيان الحقيقة وكأن المسألة خاصة ومحدودة. من ناحية أخرى نلاحظ حربا مستبطنة بين رجال البيداغوجيا والسياسيين تجلت في صراع بين عقلية محافظة وأخلاقية بحتة وبين دعاة الامتياز والبحث عن التعليم النخبوي الذي يركز جهوده على النخبة النيرة والذكية. فمن متحسّرين على الأزمنة الماضية ومن دعاة الصلابة والانضباط وفرض نظام حديدي ومن مدافعين عن المعرفة الخالصة وضمان حق التعليم لكل الطلبة وتوفير الظروف الملائمة لذلك إلى دعاة التغيير والإصلاح المتعاقب والمتواصل يتيه المواطن إذ أنه لا أحد يقدر على حل المعضلة العميقة التي يتخبط فيها التعليم. من ناحية أخرى وتحت ضغط المنظمات الدولية ومن بينها المنظمة العالمية للتجارة والتي فرضت خصخصة التعليم بصفته خدمة وذلك من خلال ما يعرف بالاتفاقيات العامة حول تجارة الخدمات وبالنظر لتراجع المساهمة الحكومية في هذا المجال تماما كما هو الحال بالنسبة للمجالات العمومية (فتجارة التعليم من بين القطاعات الأولى التي تدرّ مليارات الدولارات) برزت حملات نقد لاذعة أقل ما يقال عنها أنها اقتصادوية بحتة وهي لا ترى في الإصلاحات الضرورية سوى جانبها الاقتصادي البحت وهذا ما يفسّر إلى حد بعيد فشل حركات الاحتجاج المتعاقبة والخاصة بقطاع التعليم إذ أن الشعارات والمطالب لم تخرج من الإطار التقليدي الذي تحكّم فيها منذ عقود. "نريد تعليما ديمقراطيا وجامعة شعبية". ما معنى أن يكون التعليم ديمقراطيا وما معنى أن تكون الجامعة شعبية؟ هل يعني توزيع الجهل بصفة عادلة أم هيمنة بيروقراطية على مجال التعليم؟ أما من جانب قطاع المدرسين من معلمين وأساتذة ففي غالب الأحيان تحوّلت المسألة من قضية عامة إلى مسألة خاصة بقطاعهم ودعا بعضهم إلى حلول ظرفية وإلى علاج يحدّ من الأعراض لكنه لا يرتقي إلى أصل الداء بما أنه ينحصر في حلول تقنية صرفة والحال أن أزمة التعليم هي بالأساس مظهر من مظاهر أزمة المجتمع. في الحقيقة ما يعوز المدرسة هي آفاق سياسية واضحة وهذا هو جوهر القضية. فالمؤسسة التعليمية متهمة ولو ضمنيا بعجزها عن تحديد مهمتها ودورها إذا استثنينا التصور العام الذي يجعل منها رافعا اجتماعيا معطّلا والمدرسة التي كانت تمثل بالنسبة للأولياء مجالا مقدّسا وبالنسبة للتلاميذ محيطا شاملا وبالنسبة للمدرسين خيارا وموهبة وتطلعا لم تعد تلبي هذه المطامح والتصورات. لقد أصبحت مجالا للحيرة والقلق حيث لم يعد الحصول على الشهادات أمرا مؤكدا. فهذه الأداة التي يراد منها أن تضمن المستقبل لم تعد تمثل المجال الذي يفترض فيه أن يكوّن الإنسان ويصقله ويعدّه للحياة العملية ويدمجه في المجتمع ودورة الاقتصاد. لقد تغيّر دور المؤسسة التربوية جذريا. فالعلاقة بين المجتمع والمدرسة أصبحت تشوبها حالة من انفصام الشخصية والثنائية. فمن ناحية هناك انفصال تام بين المجتمع والمؤسسة التربوية بينما ترسّخ الارتباط بهذه الأخيرة بصفتها المرحلة الضرورية للانصهار في هذا المجتمع. ففي الوقت الذي تطالب فيه المؤسسة التعليمية بتقديم كل المعارف بما في ذلك تلك التي كانت تعهد للمجتمع والعائلة توجّه أصابع الاتهام إلى هذه المؤسسة لكونها أخلّت بهذا الدور وأصبحت مجالا للانحلال والميوعة وعدم المسؤولية. لكن ما يبقي على التمسّك اللصيق بالمؤسسة التعليمية هو دورها في توفير أوسع المعارف. بما أن القيمة الوحيدة التي أصبحت معتبرة ومهمّة بالنسبة للغالبية تظل القيمة الاقتصادية عرفت المؤسسة التعليمية حالة من الاستهلاك الأقصى والمتزايد وقد تجلى ذلك في الدروس الخصوصية والمنافسة وإقرار تباين بين المؤسسات التعليمية والبحث عن الامتياز والتفوّق.....

قد تأخذ الخيبة أشكالا عديدة من بينها الانزواء في مجموعات ضيقة قد يتخذ طابعا كارثيا من نوع : « ليحلّ من بعدي الطوفان » أو "لقد أنهيت دراستي ولن أغامر بإنجاب الأطفال وتحمّل مسؤولية تعليمهم" وهذا يعني أن الأولياء والأساتذة والطلبة لم يعد يكترثون في معظمهم بالمؤسسة التعليمية.

بالنسبية للغالبية من إطارات التعليم والذين عودونا في السابق بأن يكونوا سباقين في التعرّض لدور المؤسسة التربوية نلاحظ استقالة تكاد تكون عامة وانقطاعا تاما عن الحديث عن المسائل التي اهتم بها جيل الستينيات والتي تخص البيداغوجيا الجديدة أو البديلة. بما أن التدريس قد أصبح مهمّة شاقة وربما غير ذي فائدة تذكر لجزء هام من الأساتذة فالأجدى أن يكتفوا بأداء دورهم في الحدود الممكنة وأن لا يجهدوا أنفسهم ويحذوا حذو التيار الغالب ويتباكوا على العصور الماضية ويتحسروا على التنظيم السابق للمؤسسات التربوية وعلى المستوى التعليمي « الراقي » الذي كان عليه نظام التعليم مقارنة بما هو حالي. بالنسبة لعدد هام من المدرسين أصبح التعليم وظيفة شبه إجبارية ومضنية ومفروضة غايتها الارتزاق وكسب القوت عملا بمقولة مكره أخاك لا بطل. من ناحية أخرى ومع تعاظم مخاطر العمل الأجير خصوصا في القطاع الخاص حيث يتعرّض العمال كل يوم لخطر البطالة والتهميش والطرد أصبحت مهنة التدريس تجلب العديد من الطلبة بما أنهم يبحثون عن الاستقرار العائلي. يظل الهاجس الأول هو ضمان قوت ومكسب قار وهذا جلي في المناطق الشعبية والريفية حيث أصبحت مهنة التعليم الملاذ والملجأ بعد أن وقع القضاء على المجال الزراعي وتفكيك البنية الاجتماعية للأرياف ودفع الآلاف إلى النزوح للمدن الكبرى. من نتائج كل ذلك بروز حالة من الحيرة لدى المدرسين والتلاميذ وبروز خطاب يلقى الرواج يدعو من ناحية لضمان العدالة في التعليم ولكنه بالمقابل يحمّل التلميذ مسؤولية فشله. من علامات هذا التنصل من المسؤولية والشعور بالخيبة تركيز المدرسين على المطالب المهنية والحرفية والتي وإن كانت شرعية باعتبار غلاء المعيشة وتدهور الوضعية الاجتماعية لسلك التعليم وظروف العمل السيئة والمضنية التي تنعكس على مستوى التعليم لكنها لا تتوجه إلى أصل الداء وإلى جوهر الأزمة. في الواقع إن أزمة قطاع التدريس ليست سوى جانبا من الأزمة العامة للتعليم وهذه الأخيرة ليست سوى نتاجا لترسبات في المجتمع. فأزمات التعليم ليست في الحقيقة أزمات خاصة بالقطاع بل هي تمثل أزمة شاملة للحياة وللمجتمع. فغياب المعنى ليس خاصا بقطاع التعليم بل هو غياب شامل. لقد فقدنا البوصلة ولم نعد ندري ماذا نريد وأي مستقبل نبتغي وفي أي اتجاه نسير ولأي مجتمع نطمح. إنها أزمة التطلع الديمقراطي كما جاء ذلك على لسان أحد المفكرين.

الإطار الجديد للتعليم : تعليم في ظل مجتمع استهلاكي، من التعليم إلى كره المجتمع

عندما يعجز مجتمع عن التعليم فهذا لا يعود لضعف وخلل في الجهاز أو المؤسسة أو في « الصناعة » فهذا يعني أن المجتمع إجمالا عاجز عن تعليم نفسه. فبالنسبة لكل البشرية أن يعلّم المجتمع فمعناه أنه قادر أن يتعلّم. فمجتمع لا يعلّم هو مجتمع ينكر ذاته ويكرهها ولا يحترمها. إنها حالة المجتمعات المعاصرة التي فقدت كل معنى لوجودها ومستقبلها. فالمجتمعات المعاصرة تحدوها رغبة ويقودها وهم ما فتئ يتعاظم ويترسخ مفاده أنه سيسمح بمراكمة لا حدّ لها وتطال كل مجالات الحياة الاجتماعية. لقد نجحت المجتمعات خصوصا منها الغربية وإلى حد بعيد في تحقيق هذه الوعود سواء في مجال الخيرات أو مراكمة الأشياء والأملاك أو في مجال التقدّم في ميادين الطب والتكنولوجيا والهيمنة على الطبيعة وحتى الحريات الفردية بل هي رسّخت فكرة الاستهلاك الذي لا يعرف الحدود. الكل يستهلك : الإنسان يستهلك سنويا ما يفوق وزنه 10 مرات من المحروقات ومواد الطاقة وما يقارب 100 مرة وزنه بالنسبة لسكان المدن الكبرى. حياة الفرد رهينة الأشياء التي يتحصل عليها ويملكها. النجاح يقاس بمدى قدرته على شراء السلع الاستهلاكية المعروضة في السوق و« أرفعها » و« أجودها » وصولا إلى الصورة ووهم الصورة. إنه يستمد شخصيته بمدى تأثر الآخرين به وبجاذبيته واستجابته لنمطية معينة. هناك مفارقة جد مثيرة و لافتة للانتباه. لقد بنيت الحداثة وما بعد الحداثة على قاعدة رفض الماضي وإلغاء الذاكرة. فزمان الحداثة خطي يتسارع إلى الأمام ويدعي أنه يلغي ما سبقه فيصبح الحاضر زئبقيا ينفلت بمجرد حضوره. لكن الحداثة تتناقض مع ذاتها بما أنها تخلق « تراثها » وذاكرتها دون أن تشعر أو تعي بذلك. فالدعوة إلى القطع مع الماضي خلف رد فعل لدى عامة الناس تجسد في شعور بالريبة والخوف من زوال الذاكرة و التاريخ خصوصا وأن المستقبل المضمون بعيد المنال ومؤجل إلى تاريخ غير محدود (كما تدل على ذلك الصفة التي تلصق بالمجتمع : مجتمع ما بعد الصناعة- ما بعد الحداثة – ما بعد التاريخ – ما بعد ... ) كما أن تأزم الحاضر وبروز مخاطر عديدة (بطالة – تهميش أجزاء متزايدة من الشعب – مخاطر بيولوجية – تلوث – تلوث الطعام بمواد كيميائية وبيولوجية – حروب – انخرام الأمن – إجرام ...) تعمق هذا الشعور. لكن أن يعد المجتمع كل فرد بإرجاء السعادة لغد غير معلوم وبالتخلص من كل العراقيل والمصاعب ودفعها وصولا لتحقيق أوسع المطالب والرغبات فمعناه أنه يهيئ الظروف العملية لكره ذاتي حقيقي وربما نفي وجوده. "غدا سوف نتخلص من الأمراض ونوفّر كل الحاجيات ونتغلب على كل المصاعب ونحقق كل الأحلام ونسبي العالم ونغزوه ونأسره ونتحكم في كل شيء. غدا سنوفر لكم كل الحاجيات ونحقق الوفرة ونجعلكم أسياد الكون فلتترقبوا ولتصبروا ولتصابروا". ألم يعلن نيكسون الرئيس الأمريكي السابق في السبعينيات أن الإنسان سيقضي على كل أنواع البكتيريا ويتخلّص من مرض السرطان؟ ألم يعد خبراء البيولوجيا والوراثة بولادة بشر حسب الطلب وحسب الخاصيات المرغوب فيها؟ ألم يعد الخبراء بعمل في المنزل يجنبنا التنقّل واللقاء مع الآخرين؟ إنه مجتمع المعلومات. (من المضحك أيضا أن الماركسية تعد بالعدالة في مجتمع الوفرة : "من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته" أي أن المجتمع الشيوعي هو استهلاكي بالدرجة الأولى). يعني كل ذلك أن المجتمع يتنكّر لحاضره لصالح وهم ما فتئ يتعاظم. لقد أصبح جليا أن الضريبة التي يدفعها المجتمع لقاء كل ذلك هو إعلان حرب الكل ضد الكل وانهيار العلاقات بين مختلف مكوّنات المجتمع. فالإدعاء بأن العلاقات بين الأفراد المتذررّين كحبات الرمل والمنعزلين ستحكمها روابط تعاقدية صرفة يعني أن نعدّ للتخلّص من جملة العوائق التي تفرضها العلاقات الاجتماعية والحياة بصفة عامة. فالانزواء في الحياة الفردية والانهماك في مجتمع استهلاكي يخلصنا من متطلبات الحياة الجماعية مع أناس غرباء. كما أن اللهو يخلصنا من هموم الوجود والتفكير. فصعود اللامعنى أو افتقاد المعنى يحررنا من معنى الوجود والفعل ومعنى التمكّن من الحصول على الأشياء. فالسعادة الموعودة هي استقلال تام عن كل ما هو موجود وعما سيكون وينشأ وعدم اكتراث به. من المفارقات أن هوس البحث عن مثل هذه السعادة تتشخص في فردانية مقيتة في الوقت الذي تبدو فيه بصفتها ذوبان كامل وتطابق عام مع ما هو موجود بحيث أن الفعل يخضع لتصوّر واحد وفريد. إنه عصر التطابق المعمّم فكرا وتصوّرا وحياة يومية ولباسا وحتى لغة وفنا. بيروقراطية، هيمنة مجتمع الصورة والمشهد، اللامعنى، عقلنة الحياة الخاصة بما فيها المشاعر الداخلية، مرض الاستهلاك، التقليد الأعمى، البحث عن الشهرة والنجومية، كلها تساهم في تغيير بنية الشخصية للأفراد المعاصرين. إنهم قد فقدوا البوصلة وحتى الشخصية الفعلية. نفس اللباس والأكل والتفكير هذا إن كان هناك تفكير بل حتى نفس اللغة. فمن بين الوسائل المتاحة للتّحكم في الفكر هناك تضييق المجال على اللّغة وعلى القدرة على تطويعها. لقد كان هذا الأسلوب شائعا في الأحزاب الفاشيّة والشّموليّة. في البداية يقع إفقار اللّغة وتحديد مفرداتها وأساليب تعبيرها والتّخلّص من الكلمات غير المرغوب فيها كما يقع الحدّ من التعابير المجازة القابلة لأكثر من تأويل وفهم. تتجسّد مهمّة اللّغة الجديدة في القضاء على المعنى. فكلمات مثل الشرف والإخاء والتّحابب والتّعايش تفقد شيئا فشيئا من معناها وحضورها وتغيب من قاموس اللّغة الجديدة ويقع تغليفها بتعابير أخرى فضفاضة تسحقها وتنزعها من ذاكرة ومخيّلة الشّعوب. يحتوي قاموس اللّغة الجديدة على ثلاث أنواع من الكلمات :

  • كلمات غير معبّرة وإن جاز القول "محايدة سياسيا" وهي كلمات محدّدة المعاني ولا تقبل التأويل وتخصّ مجال الحياة اليوميّة وهي خالية من أيّ تعبير مجازي كأن نقول طاولة وكرسي وحائط.la mentalité générale
  • تعابير مركّبة فقيرة المعاني وقد تؤدّي معنى مناقضا للمنطوق. إنّه الخطاب السّياسي بالأساس وخطاب الخبراء الذي يفرض على السامع التقبّل والقبول. لا تستمدّ الكلمات معانيها من مضمونها ومدلولها المتعارف ولكن من شروط وظروف إلقاء الخطاب. فالمخاطب يفرض مفهومه اعتمادا على مركزه في السّلطة. مثال ذلك : الجهل قوّة والحرب سلام... .
  • يحتوي القسم الثالث من القاموس الجديد على كلمات تقنيّة وعلميّة أي لغة المختصّين والخبراء التي لا يفقهها سوى الرّاسخين في العلم. ينحصر استعمال هذه المصطلحات في الإطار المختصّ. مثال ذلك الجين والنّواة والطّيف المغناطيسي والصّبغيات...

تقوم هذه المكوّنات الثلاث للّغة الجديدة بإفراغ التّخاطب والكتابة من حيويّتها وديناميكيّتها الخاصّة وذلك باختزال المعنى وتضييقه في استعمال محدّد وملموس وتغيير ذلك إذا اقتضت الحاجة. هناك فصل واضح بين هذه الأجزاء الثلاث التي لا يسمح لها بأن تتداخل. هكذا نضحّي بالأشكال التّعبيريّة البلاغيّة والفنّية وبالتلوّنات استجابة لقواعد صارمة للتّواصل لا تقبل التّجاوز. على كلّ كلمة أن تُنطق وتُسمع بسهولة. كلّ أجزاء الخطاب قابلة للتّبادل والتّداخل : الفعل والفاعل والمفعول به. مواصفات الخطاب الجديد أن يكون سهلا، يسيرا، سريعا، مختزلا كلغة الستينغرافيا ويحتوي على أقلّ عدد ممكن من المقاطع (Syllabe). الهدف من كلّ ذلك هو فصل الخطاب عن الوعي. هكذا يتغلّب الصّوت على المعنى والنّطق على الموضوع. هو عالم مجتمع التّواصل وتبادل المعلومات الذي يصبح أهمّ من موضوعها. هو بعبارة أخرى عالم تجارة الكلام. « خذ كلاما وهات كلاما » وكلّما كانت تجارة الكلام أوفر وأهمّ كلّما كان ذلك معيارا للنّجاح. لا يغرّنّكم هذا التبادل. ليس المقصود به تعميق الحوار وتلاقح الأفكار وتصارعها وتنافسها ولكن فقط تنشيط حركة الكلام وتحريك هذه الوظيفة وفقا لمعايير ومقاييس محدّدة. تجسّد اللّغة الجديدة نظاما خاصّا مستحدثا هدفه القضاء عل كلّ إرادة خاصّة ومتميّزة للتّفكير والاستعاضة عن كلّ ذلك بـ"آراء صحيحة سياسيّا« كأن تقول : »التّكنولوجيا وسيلتنا لتحقيق الرّفاهية والدّيمقراطيّة والكائنات المحوّرة جينيا أداتنا للقضاء على المجاعة أو كلّما زاد الاستهلاك تراكمت السّعادة". هذه الأفكار تصبح مسلّمات وبديهيّات لا تقبل النّقاش. من يقدر أن يشكّك في تعبير من نوع : "التنمية المستدامة« و »الثورة الرّقمية". فهي ليست نتاجا لنقاش أو ثمرة لمجهود فكري جماعي. المهمّ أنّها تعابير تسير، تسافر، تنتقل وتسيل كالماء الرّقراق. إنّها تجسيد لهيمنة مجتمع النّخاع الشّوكي، مجتمع دون مخّ ينحصر دوره في الرّد الانعكاسي الأوّلي المكيّف والمهيّأ Réflexes conditionnés . تستعيض اللّغة الجديدة Newspeak عن الفكر الواعي « بالفكر » المنمط والمعلّب والمتطابق. فنحن في عصر التّطابق المعمّم على حسب تعبير المفكّر Cornélius castoriadis. كلّ خطاب جديد ومغاير يعتبر نشازا لا يستساغ ولا يفهم. ماذا يقول هذا المعتوه؟ أي هذيان هذا الذي ينطق به هذا الشّاذ والخارج عن المجموعة؟ تهيكل اللغة الجديدة أسلوب تفكير الغالبيّة وتجعلهم يشعرون بالانتساب إلى مجموعة لغوية خاصّة تنغلق على نفسها كلاما ومعاني، نطقا ومدلولا وتسجن نفسها بنفسها. انطلاقا من هذه الحلقة المفرغة ومن هذا التخريب وحتى الهدم للحياة الشخصية تتفكّك العلاقات بين مكونات المجتمع وبين الذوات وهذا يخلق حالة من القلق والحيرة والانهيار النفسي ما فتئت تتعمّق وتزداد خطورة. للتخلص من هذه الوضعية ينصح بتجنب الحياة الاجتماعية وعدم الالتزام في علاقة صداقة أو حب وتجنب الارتباط الشديد بالآخرين وبالاهتمام باللحظة الحاضرة ولكن ذلك لا يزيد سوى في تعميق الأزمة. فالشباب يواجه مجتمعا فقد كل القيم والمعايير وعوضتها مقاييس مثل مستوى العيش ومقدار السعادة المادية والقدرة على الاستهلاك ومراكمة المال والمتاع. فلا أفكار سياسية ولا تضامن اجتماعي مع الأجوار وأبناء القرية أو المدينة الواحدة أو الزملاء في المهنة والشغل أو زملاء الدراسة وحتى وإن شعر بأن المجتمع قد همشه فسيلجأ إلى الحياة الفردية وينكفئ على نفسه أو ينشغل في مسائل وأهواء شخصية. نحن نعيش قي مجتمع اللوبيات والأهواء. فالتعاقدات والاتفاقات التي كانت تحكم المجالات التقليدية للالتقاء الاجتماعي والتي من خلالها يقع ضبط العلاقات بين الأفراد أصبحت تعتبر معيقة ومنبوذة وسطحية ولا تتماشى مع العفوية التي تحكم العصر والتي يمكن تلخصها في مقولة « كن كما أنت » هذه المقولة التي أصبحت المرجعية الوحيدة والضمان الأوحد للتعبير الأصيل. فسواء تعلّق الأمر بالمؤسسات السياسية أو النقابية التي لم تعد تحظى بنفس التقدير أو بمجالات العمل خصوصا مع انهيار المعارف القديمة والتخلي عن المواقع الاجتماعية القديمة لصالح ثقافة المؤسسة أو في مجالات السكن والتجاور مع تفكّك القرى وتهجيرها أو الأحياء وما شاكلتها فلقد قضت الرأسمالية الفاحشة على كل شكل من أشكال السلوك الحضاري والجماعي والتضامن التي كانت تحكم العلاقات بين البشر. هكذا لم يعد الفرد قادرا أن يتماهى مع المجتمع الذي ينتمي له بل أنه لم يعد يعيره أي اهتمام. فاستراتيجيا الهروب والتخلي عن الواجبات والانسحاب من كل ما من شأنه أن يساهم في خلق حياة جماعية أصبحت طاغية. لكن إذا لم نقبل بوجودنا كطرف في مجتمع نتفاعل معه وبدون التماهي مع هذا النحن والنحن الآخر يذوب كل معنى للحياة الاجتماعية والجماعية. فاليوم يوجد مفهوم المجتمع نفسه على المحكّ وفي بعض الحالات يخامرنا سؤال حول معنى المجتمع وهل ما زال له وجود فعلي. ألسنا أمام تراكم لأفراد غايتهم الوحيدة هي التخلّص من فكرة المجتمع ومن فكرة الانتماء له.

في غالبية الأحيان أصبحت العلاقة بين الأزواج عبارة عن اتفاق متغيّر بين فردين أو علاقة مبنية على مفاوضات ومفاهمات « عقلانية » أو عقد وقتي معرّض للزوال السريع أو لنقل قابل للتآكل في أسرع وقت ولم تعد العلاقة العاطفية هي التي تحكم هذا الالتزام بل أن ولادة الطفل أصبحت هي الرابط الحقيقي. من المفارقات أن كل الجهود تستثمر في العائلة التي تشكل موقع التذرّر والفردانية والملاذ الأخير ضد الحياة الجماعية بما تمثله بالنسبة للأفراد من قمع والتزام وحدود. يصحب هذا النمط الجديد من الحياة العائلية غياب البعد المؤسساتي التي كان يحكمها وفقدانها للدور الذي كان يناط بعهدتها. فالأولياء يربون أطفالهم على عدم الاكتراث بما يهم المجموعة وبالمؤسسات التي تحكم المجتمع ولكنهم يبحثون عن فرض شخصية أبنائهم وإبراز طاقاتهم الفردية وهذا في جميع المجالات. لنقل أنه في أذهان العديد من الأولياء يمثل الطفل رأسمالا يجب توظيفه والعمل على أن يدرّ على صاحبه النجاح والشهرة والتفوّق والبروز والنجومية في مجتمع لا يعترف إلا ب« الامتياز » الفردي. من المعلوم أن الأولياء يشكلون الحلقة الرابطة بين المؤسسة الاجتماعية من ناحية وتكوين النفسية الفردية للأبناء أي أنهم يقومون بدور الممثّل لدى الطفل للمجتمع ولتاريخ الإنسانية ولهذا الإنسان منذ ظهوره على وجه البسيطة. فالتربية التي يتلقاها الطفل في المحيط العائلي تعمل على دمج الطفل في خط تواصلي يربطه بإرث عائلي. فبإنجاب الأطفال تدمج العائلة الطفل في عالم من المؤسسات الموجودة. لكن هذه العائلة تعرف تفككا وتراجعا لدورها وهذا ليس بارتباط باستفحال حالات الطلاق ولكنه نتاج طبيعي لفقدانها لدورها كمحور ومركز للمعايير والقيم. آخر موضة في مجال التربية تجلّت في شعار « التكوين الناجع للأولياء » (أو البحث عن تصوّر للعائلة المثالية) وقد روّج أصحابها لمفهوم العائلة الأصيلة والمتأصلة ولكن ذلك لم يحل دون توتّر العلاقة بين الأولياء والأطفال وتدعيم القطيعة بينهم. فقد الولي الحقيقي والعادي الثقة والقدرة على تحمّل الأدوار الأيسر والمتعلّقة بتربية الأطفال. فخلف الوهم ببروز عائلة مثالية تبدّد الدور التقليدي للأولياء : فمن أب يدلّل أطفاله ويلام لقلة صرامته و« رجوليته » واستقالته عن القيام بدوره وتخليه عن صلاحياته لفائدة الأم التي أصبحت تمثل السلطة في الوقت الذي تعاني فيه من حالة تمزق وتجاذب بين متطلبات الشغل ومتطلبات إعداد النشإ يتيه الأولياء في البحث عن أصالة مزعومة وعن صورة مثالية ويعجزون عن تحديد ما يمكن أن يسمحوا به وما يمكن أن يمنعونه. من المضحك أن يطنب البعض من الخبراء في الحديث عن دور العائلة وضرورة استعادتها لدورها الأصلي والحال أن المغامرين يعدّون لولادة خارج الأرحام وفي الأنابيب أي تقننة العائلة.

فقدت العائلة دورها كمؤسسة وخلية اجتماعية لها مهمة تربوية أساسية ووقع اختزالها في مجال خاص منعزل. فلقد تخلّت عن التربية لصالح المدرسة. تكمن المفارقة في أن العائلة قد اخترقتها المعايير الفردية والأنانية الضيقة ككل قطاعات المجتمع ولذلك نراها تتوجّس من القوانين التي تفرضها المؤسسة التعليمية وهذا ما يفسّر في بعض الأحيان الصراعات التي قد تنشأ بين الأولياء والمدرسة وعدم تقبّل الأولياء للقرارات الزجرية تجاه أبنائهم. من ناحية أخرى يعلم الأولياء أن الحياة الاجتماعية قد أصبحت محفوفة بالمخاطر لذا تراهم يدلّلون أطفالهم ويعمدون لحمايتهم من تأثيرات المجتمع ولكن دون جدوى. "اتركوهم يتمتّعون بحريتهم وينعمون بطفولتهم قبل أن تحين مرحلة الصعوبات". إنّه الطفل الملك. يلاحظ البعض أن هذه المسألة تتعمّق في الأوساط الشعبية حيث يترك المجال واسعا للطفل لمشاهدة التلفزيون لمدّة غير محدودة والحال أن العائلات الميسورة التي تعلم حق العلم مخاطر ذلك تحدّ من هذه الحرية المزعومة. تتقلّص العلاقة بين الأولياء والأبناء داخل العائلة ويتجنب الأولون الحديث عن الأشياء التي تخصّهم وعن عملهم. لقد ذرّر المجتمع المعاصر الأفراد والعلاقات وشجّع على الوحدة وفكّك العلاقات الاجتماعية وبالمقابل غرس الأنانية والنرجسية وحب الذات وهذه النرجسية يسقطها الأولياء على أبنائهم وبذلك يتحوّل الابن إلى مثابة ملكية خاصة وجب الحفاظ عليها وحمايتها وتدليلها وتمكينها أقصى درجات الحرية والدفاع عنها مهما كانت الظروف والحالات ضد الآخر. منذ القدم واجهت البشرية أشكال القمع والاستعباد والقهر المختلفة وقد أدى ذلك لحركات المقاومة التي لا يسع المجال لذكرها ولكن ما لاحظناه في العقود الأخيرة هو عكس ذلك إذ بدل أن يواجه المواطنون مختلف الضغوط التي فرضها مجتمع الاستهلاك ويخرجون بتصوّر يحررهم منه ما عايناه ونعاينه هو كره للمجتمع وتجنب له واستقالة تكاد تكون شاملة وعامة من تحمل المسؤولية في القضايا التي تهم المجموعة وحالة من الانزواء تقابلها سلطة متعاظمة لأوليغارشيا مالية وبيروقراطية في المجتمع تدعمها وسائل دعاية وإعلام. حتى حركات الاحتجاج الأكثر عنفا وجذرية فلقد انتهى بها المآل إلى الالتفاف والسقوط في أحابيل القوى المهيمنة بل لقد أدمجت المطالب التحررية في تصوّر ليبرالي متوحّش ومقيت وإذا بالمطالب التي تدعو للديمقراطية والتحرر الذاتي فرديا كان أم جماعيا (بما في ذلك حركات الاحتجاج التي عرفتها السنوات الستون من القرن الماضي) تستقطب ويقع صهرها في ما يدعوه البعض بتعصير المؤسسة والمجتمع وما أصبح اليوم يعرف بالحاكمية أو الحوكمة. بطبيعة الحال يعود كل ذلك إلى عدم انصهار تلكم المطالب المشروعة في واقع معاشي يومي وفي تصور شامل وملموس في نفس الوقت. فلقد كانت جل الكتابات التي توجهت للمؤسسات بما في ذلك المؤسسة التعليمية يغلب عليها الجانب الأيديولوجي الذي قد يصل حد السذاجة والسطحية أو التنديد بالجانب القمعي لهذه المؤسسة بصفتها تعيد إنتاج المجتمع وتفرض عنفا رمزيا بحيث تمثل المدرسة مجالا للتسلط والعقاب وإخضاع الجسد عوضا أن تكون أداة تحرّر من عالم الكهول ولإبراز وتكوين الشخصية. كما توجّه النقد للهيكلة المتكلسة والجامدة للمؤسسة التعليمية ولطبيعتها المحافظة وعلاقات الترابط بين مختلف المؤسسات مما يحدّ من حرية الأفراد ومبادراتهم. لقد كان ذلك جليا في كتابات فوكو وبورديو وغيرهما. لكن هذا النقد قد تغاضى عن دور المدرسة في إدماج التلاميذ في المجتمع وتخليصهم من الرتابة كما أنه تغاضى عن دور المدرسة وما يحيط بها من خارجها وعن ودورها في إعداد الأطفال وتربيتهم ولكن ما يهمنا هو أن هذا النقد الرافض لم يفض لمخرج وتصوّر. يعود هذا العجز عن إيجاد البدائل إلى جمود في القدرات الخيالية وانعدام انبثاق دلالات جديدة يمكن لها لا فقط تجاوز الأطر التربوية وحدها ولكن أيضا وبالخصوص قادرة على تجاوز أزمة المجتمع قاطبة وتذرّر المجالات التي من الفروض أن تكون أداة لاجتماعية الفرد وانصهاره في المجموعة. فعلى سبيل المثال إلى حد الآن تعجز الدوائر المسؤولة عن ضبط لحظة التحول إلى سن الكهولة. أي سن يسمح للطفل أن يحصل على تكوين يخوّل له أن يدخل في علاقة تربوية مغايرة؟ فالمؤسسة التربوية تعتمد على عنصر السن للانتقال من مستوى إلى آخر كالتحول من فترة التعليم التحضيرية وما قبل المدرسي إلى فترة التعليم المدرسي دون اعتبار لما لهذه القطيعة من تأثير على نفسية الطفل وما يسببه ذلك من عنف. من ناحية أخرى واعتبارا للتحولات المعاصرة التي طرأت على المجتمع وبالأخص غياب القدرة على التماهي مع آخر ورمز (وهذا بارتباط بتراجع المرجعيات وهيمنة النزعة التقنية والعلمية) فلقد أوكل للمؤسسات دور أساسي في دمج الأفراد في عملية الإنتاج والمجتمع بصفة عامة بدءا بالعائلة ووصولا إلى مؤسسات التعليم. البعض من المحللين يرون في العودة إلى السلطة والعقاب والانضباط والتشدّد الحل الأمثل لكن هذا الحل السحري يتجاهل حقيقة أن تمثّل الأفراد والمجموعات لا يمكن أن يخضع لسلطة ولأمر (حتى وإن وقع فرض ذلك لمدة محدودة) ولكنه تصوّر ذاتي ولن يكون بفعل القوة والعنف المسلّط عليهم. كذلك فإن تحلّل العائلة وتراجع دورها التقليدي لا يجب أن ينظر له فقط كعلامة لأزمة المجتمع وانحلاله وفقدانه للمعاني ولكنه أيضا يحمل في طياته بذرات تحرّر وقد يعبّر عن رغبة الأفراد في التحرّر الذاتي (كالتحرر من السلطة الأبوية في العائلة). لكن انعكاسات ذلك تظل متناقضة ويشوبها الغموض. فكلما نتقدّم في الزمان نجد أنفسنا مجبرين على التساؤل : هل أن هذا التطور الحاصل في المجتمع وفي أوساط الأطفال والتلاميذ بصفة عامة يترجم بداية بروز وانبثاق أنماط جديدة في الحياة أم أنه علامة ضياع وجمود؟ فنحن نقدّر الدور الأساسي للعائلة في تثبيت المعايير لدى الطفل وإعداده للاندماج في المجتمع وقبوله بالتحديد الذاتي وعدم الانصياع لرغباته الطفولية وتمكينه من نسج علاقات مع محيطه والتخلص من ذلك الشعور النفسي البدائي بالقوة والسلطة اللامتناهية لكن القبول بهذه القواعد والقوانين والنواميس لا يمكن أن يتحول إلى القبول بالموجود والخنوع له بل لا بد أن يكون مصاحبة في العالم المعاش يقرّ بحقيقة أنّ القواعد نابعة من المجتمع ولا خارجة عنه. لقد تخلت العائلة عن هذه الوظيفة باسم حرية مطلقة مزعومة للطفل قد تتحوّل في بعض الحالات إلى نوع من النرجسية تدعي الدفاع عن شخصية وأصالة وفرادة كل فرد.

في ملف أعدته جريدة الشروق بتاريخ 16 جانفي 2012 نقرأ ما يلي :" بسبب ما تحملته من إصلاحات مختلفة بأمزجة وأفكار متضاربة فقد فقدت المدرسة روحها وتحوّلت إلى مجرّد بناية يرتادها التلاميذ صباحا ليغادروها مساء بكمّ قليل من المعرفة وكمّ هائل من الوقت الضائع. فقد اختفى معلّم الأمس ذو الشخصيّة الجاذبية والمستوى العالي من الثقافة الإنسانية الواسعة التي مكّنته من إدراك ما يترتّب على عمله من مسؤولية تجاه المستقبل وساعدته على إدراك القيم الخلقية والمبادئ العلمية والمفاهيم الفنية ومكنته من اختيار السبل الصحيحة في التعامل مع الحياة وإيصالها بأمانة للتلاميذ الذين يتعرّفون على العالم من خلال هذا المعلّم........" لقد انحدر مستوى التعليم ومن معالمه "الإيهام بنجاحات شكلية وفشلت المؤسسة التعليمية في التوفيق بين التكوين المعرفي والعلمي للناشئة من ناحية وترسيخ القيم الإنسانية والتنشئة على المواطنة« ويضيف وزير التربية السابق : » لقد أصبحت المدرسة التونسية فضاء لحشو الأدمغة أي فضاء تلقينيا" ومن علامات رداءة المنظومة التربوية تلك العلاقة الغريبة بين الأولياء والمدرسة إذ" بمجرّد أن يتكلّم المعلّم مع تلميذه نصحا حتى يهرول أولياؤه إليه شاكين ومخاصمين وقد يصل هذا إلى حدّ تهديده وأحيانا أكثر من ذلك". يبقى أن الحلول المقترحة لم تتعدّى الإصلاحات القديمة حيث تقع الدعوة "للاستنجاد بأصحاب الخبرة والاختصاص ومن لهم دراية واسعة بالموضوع" وكأن المسألة داخلية وتقف حدودها عند جدران المدرسة.

لسنا هنا بصدد البكاء على الأطلال ولا بالحنين لعهد ذهبي وهمي علما بأن التحولات التي تعرفها كل مجالات الاندماج الاجتماعي بما فيها المؤسسات التعليمية قد تمثل مجالا خصبا لبروز رؤى وتصورات تحررية ومنطلقا للخلق والابتكار ولكننا نلاحظ أن المجتمع يعيش وكأنه منصهر في تاريخ ماضي وآتي في نفس الوقت يحمل في طياته معاني تنبثق من المجتمع لا بصفة إرادية ولكن كنتيجة طبيعية لتطوّر الأمور. في هذا الإطار وهذه الصورة العامة نتساءل : أي معنى للتعليم وللمؤسسة التعليمية؟ ما هي المعلومات والمعارف التي تقدّمها هذه المؤسسة إذا كان المجتمع لا يقدر على تصوّر ذاته كما هو عليه وإذا كانت كل الأبعاد الخاصة بالنظام التعليمي والقيم والمعايير التي تشير لها قد فقدت كل معنى بالنسبة للجميع؟


Commentaires

أزمة المؤسسة التعليمية وفقدانها لدورها التربوي
vendredi 17 février 2017 à 17h41

الرجاء صاحب المقال أو المصدر وشكرا

Problème technique : les envois des « lettres d’information » (dernières publications et revues de presse) sont provisoirement impossibles. Toutes nos équipes sont à pied d’œuvre...