الانتفاضات العربيّة في مواجهة الفراغ الغربيّ : المثال التّونسيّ

Les soulèvements arabes face au vide occidental, l’exempe tunisien : introduction générale
mardi 24 mai 2011
par  LieuxCommuns

بقلم : جيل كيبال

Gilles Kepel

ترجمة : المنتصر الحملي

إذا كان التّاريخ الإنسانيّ رائعا للغاية، فذلك تحديدا لأنّه بالأساس موضع التّحوّلات التّاريخيّة : بإمكانه دائما أن يشكّك في تقييماتنا وبالخصوص في تقديراتنا ، دون الحديث عن تلك الّتي يقدّمها « أخصّائيون » متنوّعون في دراسات الشّأن العموميّ وإدارتها. هنا، حيث كانت الحكومة الفرنسيّة تحسب أنّ الأحداث الّتي كانت تجري في تونس منذ أسبوع تقريبا ليست أكثر من « أزمة » عاديّة سيتمكّن نظام بن علي من التّخلّص منها بطريقة أو بأخرى (بما في ذلك مساعدة البوليس الفرنسيّ)، نرى حركة سياسيّة رائعة وشجاعة بصدد التّعبير عن نفسها، انتفاضة شعبيّة نجحت في الإطاحة بدكتاتور كان بمعيّة عائلته يهيمن على البلاد وينهبها طيلة أكثر من عشرين سنة. وعلاوة على ذلك، وفي حين لا شيء كان يعلن عن أنّ الانتفاضة التّونسيّة يمكن أن تنتشر في بلدان عربيّة أخرى، نجد أنفسنا إزاء انفجار اجتماعيّ لم يسبق له مثيل زعزع مصر والبحرين، واليوم ليبيا وسوريا حتّى لا نذكر جميع الأنظمة الّتي في حالة توقيف التّنفيذ.

ما يهمّ في الوقت الرّاهن ليس كثرة الحديث عن الأحداث الّتي وقعت في حدّ ذاتها. فما نعتبره، على عكس ذلك، ضروريّا بل ملحّا (نظرا إلى أنّ قلّة من النّاس حاولت أن تفعل ذلك) هو التّفكير في الدّلالة السّياسيّة المحتملة للانتفاضات المعنيّة وكذا في الطّريقة الّتي ينظر بها الغرب إليها. ويعود هذا إلى سبب بسيط ، هو أنّ طريقة الغربيين في النّظر إلى انتفاضات الشّعوب العربيّة تعكس الطّريقة الّتي ينظرون بها إلى السّياسة وإلى التّغيير الاجتماعيّ عموما.

المتخيّل السّياسيّ المعاصر

ينبغي أن يكون واضحا أنّنا لا نعني بلفظة « غرب » الطّغمات الحاكمة في البلدان الأوروبّيّة وفي الولايات المتّحدة. فبالنّسبة إليها، نحن نعرف جيّدا أنّها كانت تعتبر نظام بن علي ونظام مبارك على حدّ سواء نظامين حليفين لها، في إطار المقاومة المشتركة للإرهاب الإسلاميّ. وينطبق هذا أيضا، حسب ما يقتضيه الحال، على النّظام اللّيبيّ بما أنّ القذّافي قد تخلّى منذ مدّة طويلة عن خطابته العالم ثالثيّة و« مناهضة الإمبرياليّة »، على الرّغم من تقليده الأخرق لتشافيز... بل إنّنا نعني بـ« غرب » شيئا من قبيل الرّأي العامّ في بلداننا وكذلك « الفلسفة السّياسيّة » المهيمنة، أي حجم الإيديولوجيا السّائدة الّتي تشكّل إدراكنا للسّياسة وللتّغير الاجتماعيّ. ولكن، بما أنّ الأنظمة الغربيّة ليست أنظمة كليانيّة، فإنّ الرّأي العامّ الغربيّ ليس كلّه خاضعا لتشكيل الأجهزة البيروقراطيّة الّتي تمسك بالسّلطة. وهذا بعني أنّ القيام بدراسة هذه الإيديولوجيا المهيمنة ستخبرنا كثيرا عن الطّريقة الّتي بها يفكّر النّاس أنفسهم.

لو سعينا إذن إلى الإلمام بالجوّ العامّ الخاصّ بالانتفاضات المعنيّة للاحظنا أنّه يتعلّق برسم بيانيّ معاد للتّسلّط بشكل بسيط : فليست السّياسة إلاّ شأنا سلبيّا، ليست أكثر من محاولة الإطاحة بالمستبدّ الّذي يعتدي على مبادئ دولة القانون. تتماهى السّياسة بشكل تامّ تقريبا مع مفهوم الحرّيّة اللّيبراليّ، أي مع الحرّيّة باعتبارها حرّيّة بالمقارنة مع شيء مّا وليست على الإطلاق حرّيّة لشيء مّا. إنّ هذا التصوّر يخفي الحقيقة الأساسيّة المتمثّلة في أنّ السّياسة، بدلا من أن تنتهي لحظة سقوط سلطة استبداديّة مّا، تبدأ، على وجه الدّقّة، في اللّحظة الّتي تسقط فيها هذه السّلطة، فاسحة المجال لإبداعيّة الجماهير كي تعبّر عن نفسها. وحتّى ذلك الوقت، لا تكون هناك صلة إلاّ بالمستوى « الأوّليّ ». تتمثّل السّياسة الحقيقيّة، بالمعنى النّبيل والعميق للكلمة، في طرح مسألة المؤسّسة الاجتماعيّة طرحا مباشرا وعمليّا ومطّلعا : ما هو نمط المجتمع الّذي نريد؟ ما هو نمط النّظام السّياسيّ الّذي نعتبره الأفضل؟ كيف نغيّر الدّولة الحاليّة بهدف القيام بإصلاح عميق؟ ما هي الإيديولوجيات والتّصوّرات الّتي مازالت تحول دون بناء مؤسّسات شعبيّة؟ الخ. بهذا المعنى، نميل إلى التّأكيد أنّ السّياسة الدّيمقراطيّة، كما نفهمها، تتمثّل في محاولة النّاس إنشاء مؤسّسات سوف تسمح لهم بأن يحكموا أنفسهم، بأن يبتّوا بأنفسهم في كيفيّة اشتغال مجتمعهم وفي إدارته وقيمه. ولكنّ محاولة كهذه لا يكون لها معنى إلاّ في إطار تصوّر للسّياسة يشدّد لا على جهة « معاداة » (معاداة التّسلّط، معاداة الكليانيّة، الخ) بل بالأحرى على الجانب الإبداعيّ والمؤسِّس بحصر المعنى. وهذه المقاربة تحديدا هي الّتي تبدو غائبة اليوم.

الدّرجة الصّفر للتّأويل

يترافق هذا الغياب مع عدميّة تأويليّة غريبة، تظهر، في نسختها الأكثر « راديكاليّة »، في رداء فوكوّيّ جديد، نتذّكّر رقصة بطنها المؤسفة فيما يخصّ الثّورة الإيرانيّة لسنة 1978 – 1979. وكما يلاحظ، على سبيل المثال، مفرقع التباسيّ فلسفويّ، « تستمدّ الانتفاضة حقيقتها من ذاتها، تُفشل التّفكير المفاهيميّ، تنفلت من كلّ النّظريّات الّتي تريد أن تثبّت معناها »، إذ، كما يقال لنا، مستشهدين بـ« السّيّد »، « الإنسان الّذي يهبّ هو في النّهاية دون أيّ تفسير »، يقول أيضا ميشال فوكوه. ولكن، رغم المظاهر، لا يوجد أيّ فرق جوهريّ بين هذه الرّاديكالويّة وبين مواقف ليبراليّة أكثر اعتدالا تكتفي بحقيقة أنّ المجال مفتوح مستقبلا أمام « مجيء الدّيمقراطيّة » (أي أمام إقامة أنظمة سياسيّة أوليغارشيّة ليبراليّة) في العالم العربيّ. لا أحد يتساءل صراحة عمّا يحدث حقّا في المجتمعات العربيّة. فإمّا أن يتمّ الاكتفاء بالانحناء أمام « ما لا يُفهَم » زعما أنّه ملازم لكلّ انتفاضة – اعتبارا إلى أنّ هذه الأخيرة لا قيمة لها إلاّ لذاتها كفضاء وقتيّ لحرّيّة ممكنة – وإمّا أن يتمّ تمجيد الانتفاضات في إطار « حقوق الإنسانويّdroits-de-l’hommiste  » الّذي يعتبر ظهور حركة كهذه بمثابة الأمر المسلّم به، وتقاربها مع النّموذج الغربيّ بمثابة الأمر الّذي لا مفرّ منه.

ولكن، في جميع الأحوال، لا يقومون إلاّ بأن يسقطوا على الشّعوب المنتفضة نقائصنا السّياسيّة، قصورنا عن التّفكير في التّطوّرات السّياسيّة. ويبدو أنّ ضمورنا الفكريّ، المشبعة بعقود ثلاثة من البلاغة « المعادية للكليانيّة » واللّيبراليّة، قد جعلنا عاجزين عن التّشكيك في أطر هذا التّفكير « الضّعيف » الّذي يتكيّف مع الواقع دون أن يسعى حقّا إلى فهمه فما بالك برفضه. من وجهة النّظر هذه، تمثّل البلاغة عن « ثورة فايسبوك » – أو، الأسوأ أيضا، عن « ثورة 2.0 » – التّعبير الأكثر سطحيّة والأكثر إثارة للسّخرية عن هذا الضّعف الفكريّ. يتمّ اعتباطيّا فصل مجال من التّكنولوجيا (« الشّبكات الاجتماعيّة » الإلكترونيّة) عن بقيّة الواقع الاجتماعيّ ويتمّ تحويله إلى محرّك سرّيّ يقرّر إرادة النّاس السّياسيّة. إنّ الجوانب الأكثر تخطيطيّة للمتخيّل المحبّ للتّكنولوجيا تنتصب بمثابة « الأنطولوجيا » للاجتماعيّ والسّياسيّ الّتي تعتقد أنّها قادرة على استبدال المسألة السّياسيّة بهذه المسيحيّة المادّيّة الجديدة. يتعلّق الأمر، بطبيعة الحال، بغوغائيّة تُستَخدم لتجنّب المسألة السّياسيّة تخصيصا بأن تسمح بتقليم حركات الانتفاضات على التّكنولوجيا الغربيّة، وأن تقوم بتمجيد محبّ للتّكنولوجيا. والواقع أنّ هذا النّوع من التّلاعب لا يعود إلى الأمس : فالبعض قال إنّ إضرابات سنة 1995 في فرنسا كانت ممكنة بفضل الفاكس، وأنّ حركة ماي 1968 كانت بفضل التّرانزستور، وأنّ الثّورة الفرنسيّة كانت بفضل الصّحافة، الخ. كما لو أنّهم يحاولون تأسيس تفكيرنا السّياسيّ على نظريّة مارشال ماك لوهان.

ربّما بسبب هذه الظّاهرة كانت محاولات توضيح ما يحدث في البلدان المعنيّة نادرة جدّا. فما عدا طّقوس المقاربة الكلاسيكيّة من الآن للأحداث من منظور ماركسيّ ساذج (« النّاس ينتفضون ضدّ اللّيبراليّة الجديدة لمبارك وبن علي ») أو فوضويّ (« الجماهير تنتفض ضدّ الدّولة »)، يبدو، بالنّسبة إلى المتخيّل السّائد، أنّ التّعبير عن مساندتنا المعنويّة والسّياسيّة يعفينا عن القيام بمهمّة تأويل الأحداث وتوضيحها. إنّ تأويل ظاهرة مّا تتمّ دائما في إطار وجهة نظر، نظرا إلى أنّها جزء من مشروع سياسيّ أكثر شمولا. ولكن، لا يوجد في المجتمعات الغربيّة المعاصرة أيّ مشروع سياسيّ حقيقيّ، أيّ مشروع يمكن أن يدفع أصحابه إلى محاولة فهم التّطوّرات الجارية في العالم العربيّ، من أجل قياس مداه ونقد عيوبه، بل وحتّى استخلاص عبر حقيقيّة منه.

ثورة أم انتفاضة؟

من ناحيتنا، نرى أنّ شرط الوضوح يجب أن تتّسم به أيّ فرقة أو مجموعة سياسيّة تريد أن تكون راديكاليّة (بالمعنى الّذي تدافع فيه عن مشروع التّحوّل الدّيمقراطيّ الذّاتيّ لمجتمعاتنا). لا سيّما وأنّ عصرنا يتّسم بتراجع هامّ جدّا، لا فقط فيما يتعلّق بمضمون الأفكار السّياسيّة الرّائجة بل كذلك فيما يخصّ قدرتنا على التّأملّ وعلى التّفكير السّياسيّ.

إنّ هذا التّصوّر عن دورنا، كمجموعة سياسيّة، يلزمنا بترك الخطابة المزعجة عن « الثّورة العربيّة » جانبا. علينا إذن أن نكون دقيقين عندما نستعمل هذا اللّفظ. لا يجب علينا أن نخلط بين الثّورة، أي إنشاء أجهزة سلطة لقيام ديمقراطيّة مباشرة وتحاول أن تحلّ محلّ المؤسّسات الأوليغارشيّة (بل الاستبداديّة) القائمة، وبين التّمرّد والعصيان المسلّح والانتفاضة، الخ. في هذه الحالات الأخيرة، لا تتمكّن وثبة الشّعب المتمرّد من توطيد نفسها في مؤسّسات تنزع نحو ممارسة السّلطة (بداية على المستوى المحلّي ثمّ على مستويات أوسع نطاقا). هي بالأحرى تعبير عن غضب على الامتهان والقمع لا يرتقي رغم ذلك إلى الرّفض الواضح والصّريح للنّظام الاجتماعيّ والسّياسيّ المسؤول عن هذا القمع. إننّا نعتقد أنّ التّحرّكات في البلدان العربيّة هي بالأحرى انتفاضات من هذا الطّراز وليست ثورات ستفرض تغييرا جذريّا للمجتمعات المعنيّة يقطع مع النّموذج الغربيّ.

يجب أن يكون واضحا، مع ذلك، أنّ هذا ليس نقدا يُعرَض باسم بعض النّقاوة الإيديولوجيّة أو أيّ شيء من هذا النّوع. بتعبير آخر، لا يمكن أن يكون تحقيرا للتّحرّكات العربيّة لأنّها ليست في مستوى معاييرنا الإيديولوجيّة (« لم يناد النّاس بالدّيمقراطيّة المباشرة والمساواة في المداخيل، لذلك لا يتعلّق الأمر بتطوّر سياسيّ جدير بالمساندة »). على العكس تماما، يبدو لنا أنّ توخّي مقاربة واضحة ونقديّة فقط يمكن أن تسهم حقّا – إلى أقصى حدّ ممكن بالطّبع – في الفهم الجماعيّ للوضع. وعلى نقيض الممارسات اليسراويّة الّتي تمنهج « الكذب النّبيل »، والخدعة، وأسلوب أيميل كوواي Coué مهما كان الثّمن، فإنّنا نعتبر أنّ الوضوح، مهما كان بشعا، هو وحده القادر على أن يصطحب معه وعي السّكّان المعنيين الشّامل برهانات تعبئتهم. ومن وجهة نظرنا، هناك بعض الخصائص الثّقافيّة العربيّة حالت حتّى الآن دون تجاوز مستوى معاداة التّسلّط : الدّور المركزيّ والضّخم للدّين المتكامل مع استلاب إزاء المتخيّل الغربيّ الماحق، ثقافة الحقد وتحقير الذّات الّتي توجّه كلّ بداية للنّقد الذّاتيّ نحو الجبريّة، شبه غياب لأيّ عادة للانعتاق مقترن باستبداد تاريخيّ ثقيل، الخ. لم نشهد، على الأقلّ حتّى الآن، إنشاء هياكل سياسيّة مستقلّة، إن لم تحلّ محلّ الهياكل القائمة فعلى الأقلّ تنسّق بين النّضالات وتنظّمها. ويبدو أنّ التّعبيرة الظّاهرة عن هذه العوائق التّقليديّة هي صعوبة تجاوز هذا المستوى المعادي للتّسلّط، أي الصّعوبة الّتي يجدها السّكّان المنتفضون في الانتقال من نقد الأشخاص إلى نقد الهياكل : ينقدون بن علي وينقدون مبارك لكنّهم يجدون شيئا من الصّعوبة في نقد المؤسّسات (السّياسيّة والاجتماعيّة الخ) الّتي رسّخت هيمنتهما حتّى وإن كانت هذه الحركة موجودة ومازالت قائمة في بعض الأوساط على الأقلّ. ويبدو أيضا أنّ ما هو أصعب من ذلك هو القيام بنقد لنوع المؤسّسة ذاتها الّتي تشجّع مثل هذه السّلطات، وبالتّالي ردود أفعال نفسيّة وآليات ذهنيّة تدعّمها. لقد ثبت أنّ إعادة اكتشاف هذا النّوع من النّقد الّذي كانت تحمله الحركة العمّاليّة وتمّ القضاء عليه كلّيّا تقريبا في الغرب خلال النّصف الثّاني من القرن العشرين صعب بشكل خاصّ.

في مثل هذا السّياق، تعود الأهمّية الحاسمة والإيجابيّة تماما لهذه الانتفاضات إلى أنّها تثبت وجود نوع من التّآكل في المتخيّل التّقليديّ للبلدان المعنيّة. إنّها، بتعبير آخر، البراعم الأولى لحركة تحرّريّة تقطع مع الثّقافة التّابعة والجبريّة تقريبا لهذه المجتمعات – أو، بتعبير أدقّ – هي الحركات الشّعبيّة الأولى الّتي بإمكانها أن تكون حاملة لمقاصد تحرّريّة صريحة (بما أنّه قد وجد في الماضي بعض العناصر التّحرّريّة تقريبا، مثل الاستقلال سنة 1956، في الحالة التّونسيّة، على سبيل المثال، أو « المستبدّ المستنير » بورقيبة الّذي وإن كان بكلّ تأكيد قد « فرض » اللاّئكيّة إلاّ أنّه رافق بقوّة حركة النّساء التّونسيات الّتي كانت موجودة منذ الثّلاثينات). إنّ استقلاليّة الانتفاضات عن التّشكيلات والإيديولوجيات السّياسيّة الجوفاء، وطابعها العلمانيّ والشّعبيّ وغير العسكريّ، ومشاركة المرأة في التّعبئة، وحقيقة أنّ الكثير من النّاس قد تظاهروا لأوّل مرّة في الشّارع، وانجلاء الخوف وانطلاق التّعبير الحرّ، جميعها دلائل – من ضمن أخرى – تسمح بالاعتقاد أنّنا نشهد تغييرا لا فقط في العقليّة السّياسيّة بل، من المحتمل، في موقف النّاس من العالم بشكل أعمّ. يبقى علينا قياس عمقه وتقدير مداه. ولكن، من أجل القيام بهذا تحديدا يجب وضع حدّ للخطابات السّياسيّة الفارغة عن « ثورة » وعن « حقوق الإنسان ».

الحسّ السّليم والاستقلاليّة

هناك نقطة مهمّة جدّا بالنّسبة إلينا، هي الشّجاعة والإحساس بالكرامة اللّذان عبّر عنهما النّاس خلال هذه الأسابيع كلّها. وهذا لا يكون من تلقاء نفسه. ففي مواجهة القمع والعنف الّذين مارستهما الدّول المعنيّة، وأمام المئات من القتلى والجرحى، لم يتخلّ النّاس عن النّضال. بل بالعكس : فقد رأوا أصدقاء لهم سقطوا بجانبهم، ولكنّهم نزلوا إلى الشّارع من جديد في اليوم الموالي. ينبغي حقيقة أن نقارن هذا الموقف بالبرودة الفرنسّية خصوصا، وبحقيقة أنّ الموت في سبيل شيء مّا – لا سيّما في سبيل قضيّة سياسيّة – يبدو في العالم الغربيّ وكأنّه أمر غريب، بل شاذّ، نظرا إلى أنّ تصوّرا كهذا عن الحياة واليوم يقطع كلّيّا مع الجوّ الّذي يسود في مجتمعاتنا الاستهلاكيّة ويختزل السّياسة في طلب حماية « متعنا الخاصّة » (لو استعدنا التّعبير الشّهير لبنيامين كونستون Benjamin Constant). إنّ حقيقة أنّ النّاس الّذين ينزلون إلى الشّارع للمرّة الأولى في حياتهم يتحلّون بالكثير من الشّجاعة غير متراجعين أمام العنف البوليسيّ ينمّ عن إحساس حادّ بالكرامة. وهذا تحديدا ما ينقصنا في البلدان الغربيّة، حيث تقوم العقليّة المهيمنة (الفردانويّة، تجريم الذّات، الاستخفاف، اللاّمبالاة، الخ.) بمزيد من تقويض أسس نوع من الحسّ الشّعبيّ السّليم – وكذا أسس شجاعة جسديّة وأخلاقيّة يسمّيها الفرنسيّ المتوسّط « تعصّبا » – القادرة على جعلنا نثور على التّفقير المتنامي لحياتنا في كلّ المجالات. ويبدو أنّ المجتمعات المعاصرة مجمَّدة ومقيّدة إلى درجة أنّ موقف النّخب الحاكمة الفظّ واللاّمبالي بشكل صريح قلّما يثير أيّة ردود فعل. إنّ الفضائح والفساد المتنامي يوما بعد يوم، في إطار الرّأسماليّة المنفلتة من عقالها، يدفعان النّاس نحو الاستخفاف – وهو ليس إلاّ نوعا جديدا من الجبريّة « الواضحة » – وهذا دون الحديث عن عمليّات الانتحار العموميّ (اتّصالات فرنسا...) الّتي لا يترتّب عنها هنا أيّ ردّ فعل جماعيّ. وفي هذا الإطار، لا شيء يبدو قادرا على استثارة كرامتنا، حتّى لو استهلكنا بشراهة أحسن المبيعات الأخيرة الّتي تستحثّنا على السّخط.

يبدو لنا أنّ الثّقافات غير الغربيّة لم تفسدها بعدُ كلّيا ثقافة الاستهلاك وزمرة المصائب الاجتماعيّة والذّهنيّة الخاصّة بها، على الرّغم من الخطابة اللّيبراليّة الجديدة. وهذا ما يسمح للمنتمين إليها بأن يظلّوا محتفظين بعدد معيّن من الفضائل الأساسيّة، بنوع معيّن من حسن المعاشرة الأوّليّ الضّروريّ لأيّ مجتمع وبالأولى لأيّ حركة شعبيّة مستقلّة. إنّ حسن المعاشرة هذا هو ما يتلاشى الآن في العالم الغربيّ. وهذا التّلاشي هو ما يولّد، من بين نتائج أخرى، هذه البلاغة حول « الثّورة الفايسبوكيّة » المذكورة أعلاه : لا يتعلّق الأمر فقط بليبراليّة ساذجة ومحبّة للتّكنولوجيا، يتمّ في أطرها تحويل التّكنولوجيا إلى عامل مستقلّ يبدو وكأنّه يتصرّف عوضا عن النّاس، بل يتعلّق أيضا بعجز عن فهم العوامل الاجتماعيّة التّاريخيّة الّتي كنّا نتحدّث عنها، وهو عجز مرتبط مباشرة بغيابها شبه الكلّيّ عن عالمنا الحاليّ. وأمام هذا العجز عن الفهم، لا شيء يُنجَز أكثر من إسقاط النّمط الأنتروبولوجيّ للإنسان الغربيّ، بهواجسه المحبّة للتّكنولوجيا وشقائه النّفسيّ، على الشّعوب غير الغربيّة.

نعتقد، دون أدنى وهم عالم – ثالثيّ، أنّ انبعاث مشروع الاستقلاليّة الذّاتيّة غير ممكن إلاّ إذا توصّلنا إلى التّوفيق بين حسن المعاشرة الخاصّ بهذه المجتمعات وبين العناصر الدّيمقراطيّة الخاصّة بالغرب (قدرة المجتمع على الرّفض الصّريح والواعي لمؤسّساته ومفاهيمه الخاصّة، التّقليد الثّوريّ، العلمنة، المساواة التّامّة بين الجنسين، الخ.) والّتي تفتقر إليها الثّقافات غير الغربيّة.

هل هي نهاية السّياسة؟

بيد أنّ هذه الملاحظة تجبرنا على طرح سؤال مهمّ جدّا. ما هي النّتائج السّياسيّة المترتّبة عن نضوب الموارد الأنتروبولوجيّة الّتي تجعل من مجتمع مّا مجتمعا وليس مجرّد ركام من « الأفراد » (كما كانت تقول مارغريت تاتشر وكما ينطوي عليه استخدام الأنترنيت و« التّكنولوجيات الجديدة »)؟ هل يظلّ مجتمع مّا ينهار معنى الجماعة بداخله تحت ثقل الفردانويّة المستخفّة قادرا على التّعبئة الذّاتيّة وعلى التّحوّل الذّاتيّ بطريقة ديمقراطيّة؟ هل أنّ شعوب الأنظمة المتسلّطة والمستبدّة وحدها القادرة على الثّورة باستمرار من أجل تحسين مصيرها؟ هل أنّ الرّخاء المادّيّ النّسبيّ الّذي تتمتّع به الشّعوب الغربيّة قد أسكرها إلى درجة أنّ أملنا الوحيد صار معقودا على انتفاضات الشّعوب المسمّاة « متخلّفة »؟

في ظلّ هذه الظّروف، سنميل إلى تكرار ما قاله ك. كاستورياديس منذ نصف قرن بالتّمام : « هل يبغي إذن الاعتقاد مستقبلا أنّ نشاط الجماهير السّياسيّ هي ظاهرة مخصوصة بالبلدان المتخلّفة، أنّ الجماعات الوحيدة القادرة على الفعل لتغيير مصيرها هم المزارعون والطّلبة والأعراق المضطهَدة في البلدان الإستعماريّة؟ هل يكون اهتمام السّكّان بالسّياسة نتيجة مباشرة لـ »تأخّرهم« الاقتصاديّ والثّقافيّ، وهل أنّ الحضارة الصّناعيّة الحديثة تعني أنّ مصير المجتمع لم تعد تعني أبدا أعضاء المجتمع؟ ». بتعبير آخر، ألسنا نشهد التّحقيق الكامل للاتّجاه الثّقيل الّذي كان كاستوريادييس يحاول الإمساك بعلاماته السّابقة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فماذا يعني هذا بالنّسبة إلى مجتمعاتنا، وكذا إلى المشروع السّياسيّ الّذي يستلهم منه مسعانا؟ ألا تمثّل « الدّيمقراطيّة اللّيبراليّة »، بعد كلّ شيء، النّهاية الحقيقيّة لتاريخنا السّياسيّ؟ ومصير المغامرة السّياسيّة والاجتماعيّة للمجتمعات الحديثة، المعترف به الآن، ألا يتجسّد في نهاية الأمر في جبابرة الفكر مثل السّيّد ساركوزي أو برلسكوني أو أوباما أو سارة بالين أو بارّوزو؟ ليكن. ولكن، هل سنستسلم له بهذه السّهولة؟ المقال الفرنسّي بعنوان : Les soulèvements arabes face au vide occidental : l’exemple tunisien، منشور على الموقع الألكترونيّ : Lieux Communs، الأربعاء، 11، 05، 11.


Commentaires