المهجة والمعرفة

Passion et connaissance (extraits) de Cornelius Castoriadis
lundi 4 juillet 2011
par  LieuxCommuns

كورنيليوس كاستورياديس

ترجمة سمير بسباس

تقديم يستمد هذا النص الفلسفي لكاستورياديس أهميته الراهنة من تعاظم تأثير العلوم والتكنولوجيا أو كما يسميها المفكر التكنو-علوم على مجالات الحياة التي « تتقننت » و« تعولمت » (نسبة للعلم). تطوّر المعرفة مرتبط بتطوّر حريّة الفكر والتساؤل اللاّمحدود وقد عاشت البشرية مرحلتين تاريخيتين في أثينا القديمة وأوروبا المعصرة، تميزتا بخرق السياج المغلق وانبثاق معاني وتصوّرات جديدة بما في ذلك تلك المتعلقة بالمعرفة.

اليوم وقد تحوّلت التكنو-علوم إلى شبه معتقد وصنم وتحوّل الخبير إلى شبه داعية تعيش المعرفة مرحلة تتميّز بالانغلاق والتعصّب وقد ساعدها على ذلك التخصصّ الشديد وانعزال المجالات عن بعضها البعض وانحصار المعرفة في قلّة تضيق وتنفصل على جمهور الشعب الذي يتقبل نتائج البحوث العلمية دون نقاش أو تساؤل.

ليست المعرفة انعكاسا للواقع وصورة له كما يخيّل للفكر الوضعاني وللماركسية أيضا ولا هي تصوّر مثالي معزول عن الواقع الملموس بحيث كل شيئ يجوز بل هي التقاء بين واقع قابل للمعرفة وتصوّرات ومخاييل وقدرة على التمثل والتجريد. بخلاصة كلّ معرفة هي خلق وتصوّر وينسحب ذلك على الخلق الفلسفي والعلوم « الصحيحة » وهذا الخلق لا ينفصل أيضا عن الخلق الاجتماعي لمؤسسات وتجاوز لأخرى.

***

لا يمكن أن نحوّل كلّ فكر إلى تصوّر شكلاني كما أنه ليس صحيحا أن كّل فكر قابل للتحوّل إلى منطق صوري وشكلي أو التمثل في شكل نشاط ميكانيكي كمل يرى Church. فكلّ فكر يستدعي التخيل والمهجة الإنسانية. في أقصى طرفي مراحل المعرفة وكذلك خلال بلورتها تبرز قدرة الكائن البشري على الخلق أي على التخيّل الجذري. فهذا المخيال أو المتخيلة هي التي تصوّر لنا العالم الخارجي كما عهدناه ونعرفه وليس بأساليب أخرى وهي أيضا التي تبدع المسلّمات والبديهيات والأشكال الجوهرية التي تمثل عمادا لهذه المعرفة وهي أخيرا تمكّن من التصوّر المستمرّ للفرضيات، النماذج والأفكار المصوّرة التي تنير وتغذّي كلّ هذه الاكتشافات والإخترقات العلمية. هذه القدرة على التخيل وأنماط توجّهها وأشكال فعلها الأساسية سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الاجتماعي حيث تقوم هذه المتخيّلة بالخلق الجماعي المجهول الهويّة والخفي، لا تخضع للتحدَّد والتشكّل وهي غير قابلة أصلا للشكلنةformalisation والتصوّر والتحديد. رغم أنه في كلّ عملية تخيّل هناك جانب يمكن تحديده أي تحدي الجانب الثابت والمعروف فيها لكنّ ذلك لا يمثل الجانب الأساسي لأسلوب نشاطها وعملها كما للنتائج التي تفضي لها تماما كما أنه لا يمكن اختزال عمل فني ل« باخ » في علاقات رياضية تربط النوتات الموسيقية. لماذا لا يمكن للحاسوب أن يعوّض العقل البشري؟

لأنه لا يملك قدرة على التخيل وبالتالي لا يمكن أن يتجاوز الحدود التي رسمتها له القواعد والقوانين التي تضبط نشاطه ولأنّ الحاسوب لا يمتلك مهجة وبالتالي فهو عاجز عن تغيير وجهة البحث وموضوعه بصفة مباشرة وفجائية متى برزت فكرة جديدة لم تكن في الحسبان ولم تخطر على البال منذ الوهلة الأولى بحيث يتعلّق بها الباحث ويتتيّم بها طيلة مدّة بحثه. لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوز هذا العقم وهذا النقص مهما تعدّدت التقنيات وتطوّرت.

لا تخلو العلاقة بين المهجة والمعرفة من المفارقة. للوهلة الأولى، يبدو من غير المعقول تقريب معاني من نوع المعرفة والمهجة. بل أنّ الواحدة تستثني الثانية بصفة مطلقة. في نظر المواطن العادي والمتحصّل على درجة معينة من الثقافة تتلخّص العلاقة بين المعرفة والمهجة في علاقة سلبية بالأساس وهذا الموقف رائج في أوساط معظم الفلاسفة. فالمهجة أو التخيّل المجنون والذي لا يخضع لقانون وتحديد لا يمكن لها سوى أن تحدث اضطرابا في النشاط المعرفي الذي يتطلب الرّصانة والتمعّن والتركيز. لكن هذا الموقف لا يستقيم ويمكن دحضه بسهولة. فكلّ أثر معرفي قد حرّكته و دفعت لخلقه مهجة وشغف جنوني بموضوع وهذا جلّي منذ أرخميدس الذي أعدم لرفضه التخلّي عن حلقاته على التراب وصولا إلى Evariste Gallois الذي قضى ليلة إعدامه في كتابة فرضياته. قد يعترض علينا مخاطبنا بأنّه لا يقصد مهجة المعرفة في حدّ ذاتها والتي ترتبط بموضوع معرفة وبالرغبة في البحث عن الحقيقة ولكنّه يعني بها المهجة الدّخيلة وغير النقيّة كالفعل بدافع الحسد والغيرة وحبّ المال وحب الظهور والبروز والشهرة و الأنانية والتي تؤثر سلبا على بحوثه ونتائجها.

هنا يحضرنا الفيلسوف هيجل ويمكن لنا أن نجيب بكلّ راحة ووثوق بأنه كما في الميادين الأخرى فإن مجال المعرفة العلمية لا يخلو من « حيل العقل » ومراوغاته بل يمكن للمعرفة أن تستدعي المهج والرّغبات الأقل نبلا وتضعها على ذمّتها. كم من مرّة لعبت التجاذبات والخصومات بين الأساتذة والمدارس دور المحرّك لتطوّر المعرفة (الصّراع بين نيوتن و ليبنتز وبين Kronecker وCantor...). من يتجرّأ في يومنا هذا على الإدعاء بأن الجموح نحو السلطة والبحث عن الشهرة والرّغبة في مراكمة المال لا تمثل دوافع قوية للبحث العلمي...

علينا أن نخوض في أعماق المسألة لكي نستخرج دلالة واضحة وصارمة لمعنى المهجة. يمكن لنا أن نقول مع Piera Aulagnier أنه يمكن الحديث عن مهجة عندما يتحوّل موضوع المتعة واللّذة إلى حاجة أي عندما يصبح من المستحيل على الشخص تصوّر حياته دون الحصول على هذا الشيء والتمكّن منه والتحمّس له وبخلاصة التماهي معه. يتحوّل هذا الموضوع إلى رهان حياة أو موت. هل توجد مثل هذه العلاقة في ميدان المعرفة؟ أجل. لا تدلّ على ذلك التجربة وحدها بل معطيات قبليّة تفرض علينا الاعتراف بأنّه لا وجود لأثر معرفي غير روتيني بدون مهجة وتعلّق الذات العارفة بموضوع بحثها. لكن ما هو موضوع المعرفة هذا؟ تبدأ المعرفة بالتساؤل : ما هو، لماذا، كيف... ولكنّها لا تتحوّل إلى معرفة فعليّة حتّى في ميدان الفلسفة، إلاّ متى أدّت إلى نتائج ملموسة. علينا أن نذكّر بهذه المسألة ونؤكّد عليها في عصر كثر فيه الحديث عن التساؤل واللاّتحديد والتفكيك وأهمية الفكر المحدود.

ما هي هذه المهجة المتعلّقة بالمعرفة وما هي غاياتها؟ الجواب الأوّل الذي يتبادر للذهن هو بطبيعة الحال البحث عن الحقيقة. ليس المجال هنا للغوص في نقاش فلسفي حول معنى الحقيقة. نكتفي بالقول بأنّ الحقيقة ترتبط أوّلا بنتائج مجهود البحث والمعرفة. لكن هنا تبرز مفارقات. فالتعلّق بالحقيقة لا يمكن فصله عن التعلّق بالنتائج وفيها تتكرّس هذه الحقيقة بالنسبة للباحث ورجل العلم والمفكّر. لكن هذه المهجة، المهجة الموجّهة نحو النتائج يمكن أن تقوده وفي أغلب الأحيان إلى التوقّف عند هذه النتائج بحيث يتماهى ويتماثل معها بدرجات متفاوتة فيصبح التشكيك في صحّتها رديفا للتشكيك في وجود الباحث ذاته. تصبح النتائج التي توصّل لها الباحث عبارة على أشياء مقدّسة بحيث تحرّم مناقشتها. تتوسّع نرجسيّة الباحث لتشمل النتائج التي توصّل لها والتي تجعله يتشبّث بها ويتعلّق بها بصفة قطعيّة وبكلّ جزم. يتحوّل هذا التعلّق وهذه المهجة إلى نوع من الملكيّة والحيازة ويؤول ذلك في مجال الفلسفة وحتى ميادين أخرى تخصّ العلوم الصحيحة إلى تعلّق بنظام فكر ونسق مغلق وهذا يتناقض رأسا مع الدوافع الأولى للبحث عن الحقيقة. فهذا التصرّف يؤدّي إلى غلق مجال التساؤل والنقد والمراجعة ويرفض مجرّد التعرّض لنتائج البحوث وحتى للمسلّمات التي مكّنت من الحصول على هذه النتائج. هذه التصرّفات هي من بين أسباب وجذور مختلف أنواع الدّوغمائيّة والتعصّب في ميدان المعرفة. هل هناك مخرج لهذا المأزق؟ فإمّا تعلّق بالنتائج التي بدونها تظلّ الحقيقة مجرّد أوهام وأشباح وعلى أكثر تقدير فكرة كنطيّة معدّلة مع ما تحمله من متناقضات إلى حدّ التشبّث بها والتوقّف عندها وإمّا التعلّق بالبحث عن الحقيقة ذاتها وبالتالي بالتساؤل اللاّمحدود الذي يصبح معلّقا في السماء مادام لا يفضي إلى حقائق ثابتة ومحدّدة. يتّخذ الجواب عن هذا التساؤل جوانب وصورا متعدّدة. في الجانب الفلسفي للمسألة، يفترض ذلك مفهوما جديدا للحقيقة بصفتها علاقة منفتحة بين تساؤل لامحدود ونتائج، حركة مدّ وجزر ومراوحة بين سيرورة ومحطّات بين حفر والتقاء أو ارتباط. من وجهة نظر التحليل النفسي، يفترض ذلك القبول بنوع خاصّ وفردي من التأمّل ذي طابع تاريخي نموذجي مستحدث. إنّه التأمّل في الذات نفسها بصفتها مصدرا للخلق والنشاط الذهني ذاته. ماهي الشروط التي تسمح بمقاربة المعرفة بصفتها سيرورة ونشاطا وليس مجرّد بحث عن نتائج؟ ماهي الشروط والظروف التي تجعلنا نقارب ذواتنا نفسها بصفتها مصدر هذه السيرورة وأداتها؟...

المعرفة والتعلّق بالحقيقة :

لنتجرّأ وندحض كلام أرسطو الذي يعتقد أنّ النّفس تبتغي المعرفة. فما تبتغيه النفس كما المجتمع وتحتاجان له قبل كلّ شيء ليس المعرفة ولكن الإيمان والوثوق.

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه النّفس تنشأ وهي تبحث عن معنى لوجودها. هي تنشأ في ما هو متوفّر وموجود وما يمكن أن يمثّل نموذجا لحياتها : إنّه ذلك السياج الذي يحيط بالذات والوحدة النفسيّة (Monade) ويشعرها بالراحة والرّضاء والكمال. لكن لا بدّ لهذا السياج ولهذا الشعور الذي يرافقها أن يصيبهما الشرخ تحت تأثير الحاجيات الجسميّة من ناحية ولوجود أناس آخرين لهم حاجيات أخرى مماثلة. فعدم تلبية الحاجيات تبدو للنفس (بل لا يمكن لها أن تبدو سوى) كفقدان للمعنى و« انتهاء حالة الراحة النفسيّة » على حسب تعبير فرويد. إذن يحتلّ كلّ من يوفّر هذه الحاجيات موقع السيّد ولنقل الأم أو من يعوّضها.

يبدو التساؤل في شكله الأوّل كلحظة من صراع النفس للتخلّص من اللاّمعنى واللاّمعقول ومن الحيرة التي ترافقهما. فاللاّمعقول يبدو في هذه المرحلة كتهديد لوجود الذات نفسها. لمواجهة هذه الحيرة تبحث النفس عن التحكّم في المعنى وقد تتجلّى في البداية في شكل تحكّم « جنوني » ويشوبه هذيان وهلاوس.

يعني البحث عن معنى إيجاد علاقة بين « العناصر » المتوفّرة والموجودة مهما بلغت أهمّيتها وهذه الرّغبة الجموحة ترتبط بالرغبة والبحث الدائم عن استعادة حالة من التكامل أو التناسق لهذه الفيض النفسي أي النجاح في إعادة ربط التمثّل مع الرّغبة والمهجة. هذا هو كنه المعنى من وجهة نظر التحليل النفسي وليس من العسير ربطه بالمعنى بالمفهوم الفلسفي.

لكن البحث والتساؤل يندرجان ضمن إطار لدلالات مخياليّة اجتماعيّة تصهرها الذات البشريّة وتدمجها وتستبطنها خلال مدّة تأقلمها مع المجتمع وانصهارها فيه. هذه الدلالات هي في أغلب الحالات مؤسّسة (بفتح السّين) داخل سياج معرفي لأنّ رفض واستثناء التساؤل هو الأداة الأنجع لضمان البقاء والإقرار بصحّة الحقائق وعدم التشكيك فيها. قد يشكّك الواقع في صحّة وأحقّية هذه الدلالات ولكن « الواقع » في حدّ ذاته بالنسبة للمجتمع لا يفهم إلاّ في إطار شبكة من الدلالات المؤسّسة (بفتح السين) لكلّ مجتمع وهذا الأخير هو الذي يؤوّله كما يريد ويتصوّر. وحدها الدّلالات « الأدواتية » الصّرفة (أو لنقل البعد الأدواتي للدلالات) يمكن لها في بعض الأحيان أن تتعطّل ويقع تجنّبها من طرف هذا « الواقع ». فما يشدّ المهجة هو ذلك التوجّه « للنظريّة » الاجتماعيّة المؤسَّسة (بفتح السين) أي المعتقدات الراسخة في المجتمع. فأسلوب الانتماء هو بالذات الإيمان الراسخ الذي يتمظهر في شكل تعصّب. تتجلّى المهجة في ذروة حدّتها لأنّ الفرد الذي أصبح كائنا اجتماعيّا مطالب بالتماهي والتماثل مع مؤسّسة المجتمع والدّلالات التي تجسّده وإلاّ يفقد معنى وجوده ومعنى كلّ ما يحيط به. فالمعاني والدّلالات يوفّرها المجتمع للفرد والتنكّر لها أو لبعضها يعني الانتحار الجسمي والنفسي. الوجه الآخر لهذه المهجة وهذا العشق الذي لا يعرف الحدود هي تلك الكراهيّة لمؤسّسات ودلالات الآخرين والأفراد الذين يمثّلونها.

هذا هو بصفة عامّة المبدأ الذي تأسّست على قاعدته البشريّة في أغلب الأحيان وفي معظم ردهات التاريخ. ما كان لنا أن نتطرّق للمعرفة بصفتها نقيض الإيمان لو لم يوفّر لنا التاريخ حالات استثنائيّة تميّزت بالقطيعة وانهيار هذا التماسك الذي ذكرناه ولقد حصل ذلك على أقلّ تقدير في حالتين تاريخيّتين : في اليونان القديم وفي أوروبا الغربيّة وانطلاقا من هاتين اللّحظتين والتجربتين التاريخيّتين أصبح ممكنا لكلّ المجموعات البشريّة أن تحدث قطيعتها الخاصّة. لا يمكن لنا تقديم « تفسير » لأسباب هذه القطيعة التي حصلت (فالتاريخ لا يفسّر ولا يخضع للقوانين). فالسؤال حول الأسباب ليس له من معنى بما أنّ القطيعة هي خلق جديد (ويجب علينا أن نعود إلى الظروف التي نشأ فيها هذا الجديد وهذا مستحيل). لكن بالمقابل يمكن لنا التعرّض لأهمّ خصائص وعلامات ومحتوى هذه القطيعة. إنّه انبثاق التساؤل الذي يرفض التقوقع داخل سياج من الأجوبة والوثوقيات المؤسّسة (بفتح السين) اجتماعيّا. إنّه أيضا وفي نفس الوقت خلق الفلسفة ومراجعة كلّ الأصنام والوثوقيات التي تربط المجموعة حتّى وإن كانت مجموعة حكماء. إنّه خلق وانبثاق السياسة بصفتها سياسة ديمقراطيّة ومساءلة ومراجعة المؤسّسات الفعليّة للمجتمع وانفتاح دائم حول سؤال العدالة وهو أخيرا تناغم وتضافر هاتين الحركتين : التساؤل اللاّمتناهي وإيجاد المؤسّسات « الدّيمقراطيّة ».

إذا اقتصر اهتمامنا بمجال الفكر ستتعلّق مهجة المعرفة لا بالحكمة المتحصّل عليها والمضمونة والشاملة بصفة نهائيّة ولكن بحبّ المعرفة والحكمة ولنقل « إيروس » الحكمة. لهذا التحوّل أبعاد وشروط ثلاث أنطولوجيّة واجتماعيّة-تاريخيّة ونفسيّة.

من الواضح أنّ المعرفة تفترض شرطين ترتبطان بالكائن ذاته وقد اكترثت الفلسفة الموروثة بواحدة منها فقط. فللحصول على معرفة لا بدّ من توفّر جزء من هذا الكائن قابل للمعرفة. فنحن لن نعلم شيئا عن عالم فارغ ومبهم وفوضوي ومشوّش. لكن لا بدّ لهذا الكائن أن لا يكون « شفافا » وقابلا للمعرفة الكاملة. بقدر ما نعاين نوعا من الانتظام لمختلف مستويات الكائن كالمستوى الطبيعي للكائنات الحيّة بقدر ما يطرح ذلك أسئلة أنطولوجيّة تتعلّق بتاريخ المعرفة ذاتها.

أمّا الشرط التاريخي-الاجتماعي فهو انبثاق مجتمعات منفتحة حيث يمكن مراجعة ومساءلة المؤسّسات والدّلالات الثابتة والمهيمنة وبالتالي يمكن فتح آفاق جديدة للمعرفة ذاتها وتقديرها حقّ قدرها. بما أنّ تأسيس المجتمع لا يجد من معنى ووجود له إلاّ بدعم الأفراد المكوّنون له واستبطانهم لدلالاته فإنّ انبثاق المجتمعات المنفتحة يفترض تكوين ووجود أفراد قادرين على الإبقاء على هذا التساؤل مفتوحا ودون توقّف.

أخيرا وكما سبق وأن وضّحنا إنّ ما تبتغيه النفس بالخصوص ليست المعرفة أو العلم ولكن الإيمان وهنا تبرز مسألة رئيسيّة وتتعلّق بالشروط النفسيّة لخلق معرفة.

ماهي دعائم ومواضيع المعرفة التي يمكن أن تحمل معنى من وجهة النظر النفسيّة البحتة؟ بكلّ غرابة لا يمكن للدعامة النفسيّة أن تكون سوى مهجة نرجسيّة ولكنّها تفترض عكس هذا النشاط على الذات نفسها وعلى صورتها. تقع مقاربة الذات العارفة لا بصفتها تمتلك المعرفة اليقينيّة ولكن بصفتها مصدر ومنبع لها وقدرة متجدّدة لا نهائيّة على الخلق. بمعنى آخر تتركّز المقاربة على حركة الفكر ذاتها بصفتها قادرة على توفير نتائج حقيقيّة ولكن بمعزل واستقلال تام عن أيّ نتيجة محدّدة. يتطلّب ذلك فكرة أخرى وتصوّرا آخر للحقيقة بصفتها فكرة فلسفيّة أو موضوع بحث تقوده مهجة فيّاضة. فالحقيقة ليست شيئا نبتغي امتلاكه أي النتيجة على حدّ قول هيجل ولا هي مشهدا عاديّا للعبة التخفّي والتستّر من ناحية والبروز والظهور للكائن من ناحية أخرى كما هي عند هيدغر. تتحوّل الحقيقة إلى خلق منفتح دائما وقابل لمراجعة ذاته. إنّه خلق لأشكال من الفكر والمحتويات التي يمكن لها أن تلتقي مع الواقع. فالنشاط لا يتوجّه إلى الموضوع أو حتى لصورة الذات بالمعنى المتعارف ولكن لموضوع هو في نفس الوقت غير موضوع، أي نشاط ومصدر للحقيقة. فالتعلّق بهذه الحقيقة هي المهجة التي تحرّك المعرفة أو الفكر بصفته إيروس.


Commentaires