الديمقراطية، أية ديمقراطية

La démocratie, quelle démocratie (langue arabe)
mercredi 26 janvier 2011
par  LieuxCommuns

Ce texte développe une conception de la démocratie comme régime qui trouve sa légitimité dans l’implication pleine du peuple - à l’opposé de la démocratie représentative - et passe en revue les différentes conceptions de la démocratie dans le monde et dans les pays arabes.

En rapport avec cette problématique il s’attaque aux questions de la vie quotidienne (le rapport de la démocratie aux politiques économiques, choix technologiques, la culture, l’éducation, les territoires, le passé, le présent et l’avenir, l’environnement, le marché, le travail ......). C’est aussi une critique de la soi-disant démocratie populaire qui n’était qu’une dictature de poignée d’intellectuels au nom des ouvriers et des masses.

La démocratie est intimement liée à la pratique démocratique et notre approche n’est qu’une ébauche de la question car dans une démocratie véritable l’éveil de la population et son éducation à l’esprit critique empêchera toute sacralisation des institutions.

سمير بسباس  

أصبح الكلام عن الديمقراطية اليوم مثيرا لعديد التساؤلات حول مدلولها خصوصا وأن الكل يتحدث عن الديمقراطية وبمفهومه الخاص بينما نشهد حروبا تعلن باسم ترويج الديمقراطية ويدّعي أصحابها أنهم رسل الخير وكأن ما يقومون به ليس سوى تنفيذا لأمر إلهي يتماشى مع مسيرة العقل والتاريخ. الكل يدّعي الديمقراطية حتى الفاشيين وكبار الجبابرة. تماما كما يربط البعض الديمقراطية بجنس أو حضارة أو دين يرفض البعض مجرّد الحديث عن الديمقراطية باعتبارها مفهوما غربيا « استعماريا » بل يذهب البعض من المفكرين وحتى الغربيين منهم إلى اعتبار أن المجتمعات التقليدية والبدائية والقبلية قد بلغت درجات عالية من النضج السياسي واستطاعت أن تصوغ نظما سياسية قد تتفوق في « ديمقراطيتها » على أشكال الديمقراطية الغربية. العديد من المفكرين العرب يعودون إلى تجارب تاريخية ليؤكدوا أن لنا في تاريخنا ما يغنينا عن أشكال الحكم المستوردة. مما لا شك فيه أن تاريخ كل الحضارات حافل بأمثلة تبرز رفض الشعوب للقهر والاستبداد. لكن إلى أي حدّ كان هناك وعي جماعي بأن هذه الأشكال من الحكم « الديمقراطي » هي من صنع البشر لا من قوّة متعالية وخارجة عن المجتمع أو من طبيعة خاصة وبالتالي إلى أي حد ّارتبطت برموز وسلطة ما لبثت أن فرضت استبدادها.

الديمقراطية كلمة يونانية وتعني سلطة الشعب وسيادته أي أن القوانين والمؤسسات تنبع منه ومن اختياراته فهي إذن خلق ذاتي صريح ومُعلن. فالقوانين والمؤسسات والتشريعات والأحكام والمعايير والغايات الجماعية تنبع منه ولا من سلطة غيبية أو تنفيذا لقانون متعالي أو موضوعي تاريخي. المواطنون يتدارسون أوضاعهم بكل حرية ويناقشون القرارات وقد يتجاوزون بعضها ويستعيضون عنها بأخرى وهم واعون تماما بمسؤولياتهم في هذا الخلق وبالتالي بإمكانية مراجعة هذه الاختيارات. إذن تفترض الديمقراطية الحرية والمسؤولية في آن واحد. إنها إذن التساؤل غير المحدود واللامتناهي عن كنه وحقيقة المؤسسات وهي بالتالي تتناقض مع وجود الضمانات والوعود. لكن كيف يكون الفرد حرا وأوتونوميا وديمقراطيا وعلى أي قاعدة تستند هذه الحرية وبعبارة أخرى هل يمكن تأسيس هذه الحرية على قاعدة علمية أو أخلاقية أو على قاعدة موضوعية تاريخية بحيث تنبثق هذه الأسس آليا وبمعزل عن الإرادة الفردية والجماعية. إذا أسلمنا بذلك فإننا نعترف ضمنيا بأن الفرد تحدده ماهية وجوهر ثابت كما تريد أن توهمنا به عديد الأيديولوجيات. لا يمكن أن نبني الحرية على قاعدة علمية أو عقلانية لأن هذه الأخيرة تستوجب الحرية، الحرية بأن نتسلح بعقلنا. لماذا نطمح لمجتمع ديمقراطي، حر وعادل؟ لماذا عرف التاريخ البشري فصولا من المقاومة ورفض الاستبداد ولماذا يضحي الناس بأرواحهم من أجل هذه الحرية وهم يعلمون مسبقا أنهم يضعون حياتهم في الميزان؟ أ لأنهم أناس طيبون بالطبع؟ هل لأنهم يكونون بذلك قد استجابوا لضروريات أخلاقية مهما كانت أسسها ومرجعيتها؟ لكن حتى في هذه الحال لماذا لم تمنع هذه الأخلاقيات من بروز الأنظمة السياسية المستبدة؟ هل لأن العقلانية تفترض مثل هذا السلوك؟ ولكن ألم تشهد البشرية كوارث وحروب ومآسي باسم هذه العقلانية ذاتها؟

الحرية التي أريدها هي ذاتها التي سمحت لك بتوجيه هذا السؤال. إذن لا وجود لأي قاعدة أو أساس يحكم هذا الاختيار إن هي ليست سوى « معقولية » وليس هناك من ضامن أن الشعوب تبتغي دائما هذه الحرية حتى وإن أبرز لنا التاريخ شواهد مناقضة. فالسمة الغالبة هي البحث عن ضمان وراحة خارج الفعل البشري ومرجع يعلو عليه وإليه نعود في كل مرة وقد يتشخّص في الأجداد والسلف وفي الماضي التليد أو العادات المشتركة والتقاليد أو في قوة متعالية أو قانون تاريخي. فالديمقراطية هي إذن رهن اقتناع الغالبية بها وتكريسها عمليا وليست مفهوما يقع استيراده أو فرضه أو نظاما طبيعيا. مسؤولية الاختيار تعود على البشر والمواطنين. هي نظام يختاره الجميع عن وعي ويحددون معالمه. ما هي الغاية من السياسة في مجتمع ديمقراطي حقيقي؟ هل هي تحقيق الزيادة في الإنتاج وصولا إلى مجتمع الوفرة والتخمة؟ هل هي تحقيق السعادة الفردية والحال أن هذه الأخيرة نسبية وخاصة؟ فهذا يرى سعادته في الرسم وآخر في البحث العلمي وآخر في العبادة والآخر في عشق الطبيعة فلا يمكن للمجتمع أن يفرض على الأفراد مفهوما مشتركا للسعادة.

الفرد هو في ذات الوقت كائن اجتماعي وتاريخي كما أن المجتمع ليس بحصيلة إضافات لأفراد ومجموعات. إذن لا يمكن أن ينبع هذا الفرد الحر والمتحرّر والديمقراطي إلا عبر صيرورة اجتماعية تاريخية ومن خلال الممارسة اليومية. فالديمقراطية هي خلق على الدوام وهي تأسيس واعي بذاته ولذلك فمهما اضطررنا إلى تحديد بعض سمات الديمقراطية فسيبقى ذلك التحديد نسبيا وقابلا للمراجعة وهذه طبيعة كل معرفة. إذن كل المفاهيم التي تحاول أن تحصر الديمقراطية في مفهوم ضيق وتحدد منه وتتجنب تجاوزه تحوله إلى ضرب من الأيديولوجيا وهذا ما نعيشه اليوم. فمن ناحية نحن مجبرون وإلى حدّ ما على تحديد رؤيتنا للديمقراطية ولكن ولكي لا ينغلق هذا المفهوم ويصبح قانونا فوق التاريخ والإنسان لا بد لهذه المقاربة أن تترك المجال مفتوحا لتجاوزها.

لقد حوّل المجتمع الغربي المعاصر نظامه السياسي الحالي إلى نموذج ومعيار للديمقراطية. إنها الديمقراطية المبنية على قاعدة التمثيلية التي تتجسّد في هيكل يكون بديلا عن الشعب ومعبرا عن رغباته وطموحاته. إنها الديمقراطية بالوكالة. يعتقد البعض أن جوهر الديمقراطية يكمن في التمثيلية التي تمكّن مجموعة أو حزبا من شرعية. التمثيلية هي في الحقيقة تمثيلية لجهاز سلطة مستقلة وفئة ضيقة من المجتمع أكثر منها تمثيلية للشعب. هي ديمقراطية ذات وجه واحد قاعدتها الانتخاب وهي اليوم تمر بمأزق حتى في البلدان الغربية ذاتها.

لقد أصبحت السياسة مهنة لبعض المجموعات وتحولت الحرية إلى جوهر محدد بل وسيلة للاستعباد ترتبط بقيود وضوابط ولا تخضع للنقد والمراجعة. تحولت الديمقراطية إلى خطاب وأدلوجة. فالديمقراطية الغربية التي حطمت سلطة الكنيسة وأقرت بأن المجتمع والمؤسسات نابعة من الشعب هاهي تثبّت هذه المبادئ وتلخّصها في قيم الدولة-الأمة ثم ما تلبث مع النيوليبرالية أن تتراجع لتدعو إلى التخلي عن كل الروابط والمعايير التي أقرّتها بنفسها لكي تختزلها في فردانية معزولة ومتذرّرة وخاضعة للذة تجارية استهلاكية، فردانية متقبلة وساكنة تذوب في شبكة معقدة من العلاقات الدولية. ما هي التعلة التي يعتمدها دعاة التمثيلية للدفاع عن رؤيتهم الخاصة للديمقراطية؟ لا يمكن لأعداد هائلة تعدّ بالملايين أن تساهم بصفة مباشرة في تحديد ملامح السياسة لأن ذلك يؤول بنا إلى الفوضى. الشعب منشغل في أعماله اليومية وفي قضاياه الخاصة ومشاكله العائلية والمهنية ولا يستطيع أن يتفرغ للعمل السياسي ولا يقدر على التفكير في مسائل تخصّ الشأن العام بل إن الغالبية تعزف عن ذلك وهذا جلي حتى في الديمقراطية الأثينبة. يجدر بنا أن نذكّر مرة أخرى أن القانون الانتخابي الذي وقع تبنيه غداة الثورة الديمقراطية الفرنسية استثنى النسوة والشباب والفقراء بحجة أنهم عاجزون عن المساهمة في الحياة السياسية. أما المكاسب الديمقراطية التي نعرفها في الغرب فلقد تحصلت عليها الشعوب بفضل نضالات وتضحيات امتدّت على قرون ولم تكن منة أو هبة من أي كان. هناك فصل بين الممثلين وعامة الناس بيتما تتطلب الديمقراطية أن تكون اللجان أو الهيئات السياسية قريبة للمواطنين الذين لهم الحق في حضور الاجتماعات وإبداء الآراء وسحب الثقة من أي فرد يخدم ضد المصلحة العامة وهذه كانت حالة اليونان القديم الديمقراطي حيث لا وجود لممثلين بل لـ« قضاة » يعيّنون بالقرعة ولمدة محدودة. فمبدأ الانتخاب (وهو مستوحى من كلمة نخبة) لا يُعمل به إلا في مجال الاختصاص كالبناء أو الصحة أو الفلاحة وحتى في هذه الحال يخضع المنتخبون لمراقبة لصيقة.

إذن انقسم المجتمع إلى فئة ضيقة تحترف العمل السياسي وغالبية توكل هذه الفئة مستقبلها ومصيرها. هناك خبراء في النشاط السياسي وهناك العامة أو الرعاع. من المضحك والمخجل في آن واحد أن أكثر من 60 في المائة من أعضاء واحد من البرلمانات الأوروبية الذين وقع استجوابهم أقروا بأنهم لا يفقهون شيئا عن الاقتصاد. إذن ماذا يفعل هؤلاء في برلمان مهمته الأولى هي سن قوانين تهدف للرفع من الإنتاج والإنتاجية؟ تصبح السياسة في هذه الحال ميدانا مستقلا عن المجتمع ومنفصلا عنه فيُقال فلان ينشط في السياسة والحال أن السياسة ليست سوى تسيير المشاغل اليومية المشتركة وكل ما يرتبط بالشأن العام من إنتاج وثقافة وفن وصحة وغيرها من الميادين. فلا يمكن تلخيص السياسة في الهيئات السياسية والانتخابات. بخلاصة السياسة هي الحياة اليومية ويمكن لأي فرد أو مواطن أو مجموعة أن يمارسوا السياسة من موقعهم ومجالهم. أما اختزال السياسة في الأحزاب فهذا مسخ للسياسة.

لقد بلغ النموذج الغربي الحالي للديمقراطية التمثيلية نهاية المطاف. فالغالبية من المواطنين يترددون بل يعزفون عن ممارسة السياسة أو حتى مجرد الإدلاء بأصواتهم إذ أصبحت السياسة تعني بالنسبة لهم المناورات والأكاذيب والوعود الوهمية. غالبية المجموعات السياسية مرتبطة بألف خيط بالمصالح الخاصة لفئات ضيقة من المجتمع بل أن الفضائح المالية أصبحت سمة عالقة بها. لا بدّ أن نذكّر بأن ما يُسمّى بالحركات « الإشتراكية الديمقراطية » وما يُعرف بـ« اليسار » قد ساهمت وإلى حدّ كبير في إخماد البذرات التي ظهرت في أواخر الستينيات والتي عبّرت وإن بشيء من الغموض عن القلق العام الذي بدأ يسود في المجتمع. الديمقراطية التي يُروّج لها في وسائل الإعلام الغربية وفي الكتابات السياسية هي عامة تعبر عن التمثّلات السائدة للديمقراطية وهي محكومة إلى حدّ كبير بالدلالات المهيمنة والتي أتى بها المجتمع المعاصر وبالأخص منها تلك الدلالة القائلة بالتوسع اللامتناهي والتحكم العقلاني المطلق في الكون وبالفردانية التي تستمد أسسها من طبيعة تسمو على التاريخ وتصبح المحرك للمجتمع. النظرة الغربية السائدة للديمقراطية تفصل فصلا كاملا الفرد عن المجتمع والمجال الخاص عن المجال العمومي والحال أن الدولة تتدخل في كل مجالات الحياة. هناك ميكانيزمات تتحكم في المجتمع بصفة آلية وتؤول كلها إلى مزيد من السعادة والرخاء الذي يساوي الزيادة في الإنتاج وصولا إلى مجتمع الوفرة. هناك قانون خفي ويد خفية وعقل خفي وكلها تسيّر المجتمع. هذا الإطار الذهني يجمع مختلف التشكيلات السياسية الرسمية وحتى غير الرسمية التي تتزاحم من أجل ضمان المواقع والتي وإن تباينت تعبيراتها وشعاراتها فبما أنها استبطنت هذه الدلالات تظل تدور في نفس الدوامة وفي نفس الشرك الذي سطرته هذه الدلالات. إذا كانت الحركة الديمقراطية في كنهها وحقيقتها التاريخية الملموسة والتي عايشتها الشعوب بالأخص أثناء الثورة الفرنسية تجاوزا للمألوف ومراجعة للمؤسسات وإعلانا صريحا بأن المجتمع هو المنبع ومنه تنبثق المعاني فكيف لليبرالية أن تحصر الديمقراطية في مفهوم ضيق وتربط كل ذلك بقانون سواء أطلق عليه البعض قانونا علميا أو يدا خفية. كيف استطاعت البرجوازية الصاعدة والتي حملت مشعل الحرية وقوّضت سلطة الكنيسة أن تختزل الديمقراطية وتحصرها في مجال ضيق. في الحقيقة ومنذ انطلاقها كانت الثورة الديمقراطية عبارة عن ثمرة جديدة تحوي في طياتها الدود الذي ينخرها من الداخل. فلا يمكن أن تدعو هذه الثورة للحرية والتخلص من استبداد الكنيسة وتعلن الحريات العامة ثم تربط ذلك بقانون فوق بشري وطبيعة متعالية وعقل تاريخي. لكن وبالمقابل لم تستسلم قوى الحرية لذلك التحديد ودفعت نحو تدعيم وتوسيع المكاسب الديمقراطية واستمر هذا الصراع قرونا وعرف فترات مدّ وتراجع. فالمكاسب التي يعرفها الغرب لم تكن هدية من البورجوازية ولا نتاجا طبيعيا وآليا.

يبرز التاريخ وخصوصا المسيرة البشرية للثلاثين سنة الماضية أنه لم يبق من الديمقراطية سوى شبحا حيث تراجعت الحركات الاجتماعية وتخلّف المواطن عن ساحة الفعل السياسي وأوكل مستقبله لكيانات سياسية متحجرة بينما تكفلت وسائل الدعاية بإدماج الغالبية في مجتمع الاستهلاك. اختزلت الديمقراطية في انتخابات دورية وانحصرت في مفهوم متحجر لحقوق الإنسان وأولها الحق في الاستثمار والتجارة. فبما أن الاقتصاد والإنتاج والاستهلاك هي العلامات المميزة للمجتمع فإن كل القضايا الأخرى تصبح تابعة لها. هناك اتجاه نحو تجريم كل عمل نقدي أو إعلان برفض بعض السياسيات والاختيارات خصوصا منها تلك المتعلقة بالبحوث العلمية كالتحوير الجيني. هناك ثوابت لا يمكن التراجع عنها واختيارات لا يمكن التشكيك في صحّتها. فهل يُعقل لمجتمع آمن بقدسية التكنو-علوم أن يشكك في البحوث العلمية ويدعو إلى توقيف مسيرة « التقدّم »؟ باسم العلم تبرز شمولية جديدة « لينة » وتتراجع المجتمعات الغربية عن المكتسبات التي حققتها على مدى قرون. هكذا يضيق مفهوم الديمقراطية وتتعالى بالمقابل أصوات تدعو إلى الصراع الحضاري والديني وتربط الديمقراطية بمفهوم عرقي وتتحول المطالبة بفرض الديمقراطية إلى ضرب من التبشير ما دامت هذه الأخيرة قد تحولت إلى « دغم » جامد. تلقى هذه الدعوة التبشيرية دعوة مقابلة تدّعي أن لنا في تراثنا ما يغنينا عن الديمقراطية وأن لنا في مخزوننا الثقافي ما يكفينا وزيادة. لهم ديمقراطيتهم ولنا ديمقراطيتنا. المسألة لا تتوقف على البلدان العربية والإسلامية فهذه الكنيسة الأورثودكسية الروسية ترفض مبادئ حقوق الإنسان التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة في سنة 1948 معتبرة إياها تكرس مفهوما غربيا يهدف إلى فرض هيمنة هذا الأخير بحيث تضمحل الفروق بين« الشر والخير » وهذا « مهاتير محمد » يدعو إلى التمسك ب« القيم الآسيوية » كبديل عن الديمقراطية الغربية. لقد تحولت الديمقراطية من تجربة خلاقة واعية إلى دين سياسي. الكونية الحقيقية لا تتجسد في المبادئ الثابتة وفي المفاهيم المتكلسة وإنما في التوق نحو الحرية والاستقلال الذهني والعملي وفي الحق في طرح القضايا والمسائل التي تشعبت وتداخلت بحيث لم يعد بإمكان أي أمة أو شعب أن تدّعي أنها بمقدورها أن تحل هذه القضايا بمفردها. إذن تُجابه الدغمائية الليبرالية بأخرى لا تقل خطورة ويتراجع الفكر ونظل نراوح أمكنتنا. لكن التاريخ القريب منه والبعيد يثبت أن الشعوب والحضارات قد أخذت عن بعضها وتفاعلت بالرغم من حالات العداء التي كانت تميز علاقاتها ببعضها. فلا العلوم ولا الفلاحة ولا الفنون ولا الموسيقى ذات منبع واحد. من الغريب أن يدعو البعض إلى امتلاك التقنيات الغربية وكل المنتجات الاستهلاكية مع التمسك بالقيم الثابتة والأصول وكأن هذه التقنيات لا تحمل في كنهها نظرة للحياة والمجتمع أو أنها محايدة. نريد القنابل النووية والطائرات الحربية والكائنات المحورة جينيا ونستهلك منتجات الغرب من سيارات فخمة وحواسيب وأجهزة التلفزيون وبالمقابل نتمسك بثوابت مزعومة وندعو إلى الرجوع للأصول. توحي الديمقراطية لدى البعض بالمركزية الإثنية وبالعودة إلى عهود الاستعمار ما دامت البلدان « الديمقراطية » هي ذاتها تلك التي توسعت على حسابنا بل إنها تعود اليوم إلى الاستعمار والتوسع تحت غطاء الديمقراطية وأي ديمقراطية. كأن المسألة تتعلق بمجرّد التسمية ولذلك تراهم يستعيضون عنها بالشورى أو ما شابه ذلك ولكنهم بالمقابل لا يتوانوا عن المشاركة في الانتخابات متى سمحت لهم الفرصة بذلك.

في اعتقادي لا يمكن التخلص من هذه الثنائية وهذه المفارقة إلا بكشف زيف الديمقراطية التمثيلية (مع العلم أن هناك من يدعي رفضه للتمثيلية باسم ديمقراطية جذرية ليست في الواقع سوى تكريسا لحكم فردي استبدادي). أولا لا يمكن أن تكون الديمقراطية الحقيقية هدية من زعيم أو منقذ أو سلطة خارجة عن المجتمع. فالديمقراطية بصفتها سلطة الشعب لا يمكن لها أن تنبثق إلا من صلبه وبالتالي لا ديمقراطية مع الانقلابات العسكرية ومختلف أشكال التآمر السياسي. فإذا لم يقتنع الغالبية بضرورة المجتمع الديمقراطي فلا مجال للحديث عن الديمقراطية. يمكن لسلطة سياسية أن تكون وطنية ومعادية للهيمنة الخارجية وتجسّد في الآن ذاته حكما مستبدا. فالديمقراطية تتناقض مع فكرة المستبد العادل.

الديمقراطية بصفتها خلق واعي ومتواصل ومسؤول لا تعني إرساء مجتمع مكتمل المعالم ومثالي. فهي لا تعرف الضمان والاستقالة. هي ليست بجنّة الأرض ولا هي نتيجة طبيعية لتطور المجتمع بل هي كالأرض البور التي لا تعطي الثمار إلا بالعمل والاستصلاح. هي ليست جوهرا ثابتا. كل الأسئلة جائزة بما فيها أسباب هذه الرغبة في إرساء المجتمع الديمقراطي. كل القوانين والمؤسسات قابلة للمراجعة ولكل الحق في المساهمة في وضعها ونقدها. لا وجود لقانون نهائي. تطبيق القوانين والتشريعات يعود إلى المواطنين المتحررين والمسؤولين. المجتمع الديمقراطي يفترض فردا أوتونوميا ومتحررا والعكس صحيح أيضا. هو يتنافى مع الفرد-الجمهور الذي يذوب في الآلة الإنتاجية كما تذوب قطعة معدنية في آلة إنتاج وهذا الفرد لا يصاغ خارج المجتمع أو بصفة منعزلة ثم يقع إدماجه. الحقوق الديمقراطية لا تتوقف على الحقوق الدفاعية كحرية التعبير والتفكير والاجتماع بل تتجاوزها إلى حرية الخلق والإبداع والتصوّر. لا وجود لسعادة معطاة يوفرها النظام أو المجال العمومي للفرد. مفهوم السعادة خاص بكل مواطن وإن ارتبط بالمجتمع وبالمعايير التي توحّده في كل مرة بحيث هناك تفاعل ديناميكي بين الفرد والمجتمع.

إن الصالح العام والقيم والأخلاقيات تنبثق انبثاقا « عفويا » وجماعيا وهذا لا يعني أنها تأتي بصفة عفوية أو أنها تسقط فجأة من السماء بل أن تحديد المعايير، حتى وإن ارتكز على رؤى وتصورات وأفكار ومقاربات قبلية (كمقاربتنا الحالية)، يبقى موكولا للممارسة اليومية التي تعدل الاختيارات وصولا إلى رفضها وتجاوزها. فالديمقراطية لا تنفصل عن ممارسة الديمقراطية.

لا بد للديمقراطية أن تتجاوز الجانب الشكلي. الديمقراطية هي انبثاق المعاني والدلالات والمؤسسات من المجتمع وبصفة واعية. الحياة الديمقراطية لا تعرف الراحة ولا تستكين لأي وهم. فنحن الذين ننشئ ونصيغ ونغير ونهدم ونتصور. نحن المسؤولون عن ذواتنا ومجتمعاتنا. إذن الديمقراطية هي أيضا مسؤولية وتحديد ذاتي فلا نجازف بأعمال تُخل بالكون والبيئة وتشكل خطرا على البشرية. لهذا لا بد لمسيرة العلوم والتكنولوجيا أن تخضع لمراقبة المجتمع فينصهر النشاط العلمي في المجتمع والثقافة. لا يمكن لمجتمع ديمقراطي حقيقي أن يسمح بدكتاتورية الخبراء والعلماء. لا وجود لشرعية أيا كانت مرجعيتها وأسسها. هي ديمقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية أيضا. فلا يمكن للمجتمع أن يقبل بمواطنين مهمشين في صلبه. إنها تدمج ولا تلغي أو تستثني. لذلك لا بد من ضمان حد أدنى من العيش الكريم لكل مواطن.

الديمقراطية تتنافى مع وهم التحكم اللامتناهي في الكون ومع فصل الإنسان عن محيطه. فلا يمكن أن نكون ديمقراطيين ونحمل في نفس الوقت فكرة شمولية واستبدادية تجاه المحيط. كل ذلك يستدعي منا أن نتخلى عن اعتبار الاقتصاد والإنتاج محور الحياة فتلك دلالة مخيالية جاءت بها الرأسمالية ثم توهّمت أنها قانون تاريخي خارج عن إرادتنا. إذن لا بد أن نقبل بالفطام من مجتمع الاستهلاك ومن هذا البازار والكازينو العالمي الذي أتى على كل شيء من تنوع بيولوجي وموارد أولية وموارد الطاقة وخيرات البحار والأنهار. فمسيرة العالم خصوصا في القرن المنصرم تنذر بكوارث بيئية لا حصر لها ولا بد للإنسانية أن توقف هذا النزيف.

المجتمع الديمقراطي يتنافى مع وجود الطليعة والنخبة هذه الفئة الضيقة التي تحمل نفس قيم الإنسان-الجمهور. نقصد بالإنسان-الجمهور ذلك الفرد الذي يذوب في المجموعة ويختص بصفات قد تتغير من عصر لآخر. فنموذج الإنسان-الجمهور المعاصر هو ذلك الفرد المنبت والمفصول عن الماضي واللامسؤول تجاه المستقبل وغير المباهي بمشاغل المجموعة. خاصياته الأساسية هي حب الذات والنرجسية بما في ذلك الاعتناء المبالغ فيه بجسمه وبنيته وملامحه واستجابته لنمطية معينة ووعوده غير المحدودة بتحقيق الأبدية على وجه البسيطة وهوسه الأعمى من أجل ضمان النجاح والتقدم بما لا نهاية له. الإنسان-الجمهور يعتبر أن جل ما حققه في حياته هو جزاء وثواب له على ما قدمه من أعمال تستحق التقدير وقد توفر له العولمة موقعا خاصا يتجاوز الأمم والجهات. إنه يتملّص من المكان والجهة والبلد الذي أدخله في دائرة العلاقات الدولية ويسمو على المجتمع الذي جاء به. هذه بعض سمات الإنسان-الجمهور المقلّد والجشع وهذه الصفات تتناقض أصلا مع الديمقراطية. ففي مجتمع تذرّرت أفراده وأصبحوا كحبات العنب لا مجال للحديث عن الديمقراطية. هذه بعض ملامح الإنسان الجمهور- المعاصر وفي الحقيقة هناك أنماط أخرى من هذا الإنسان كما عرفته بعض البلدان التي سادتها سلطة شمولية (الفرد الخنوع الفاقد للشخصية والذي يعبد القادة ويخضع لأوامر الحزب ....). الديمقراطية تتنافى مع دكتاتورية الحزب الواحد والطبقة الواحدة والأوليغارشيا ومع وجود مجموعات الضغط التي ترتكز على المال أو القوة العسكرية أو الأيديولوجية.

هي نقيض للتطابق وهي تتنافى مع ذوبان الفرد في المجموعة. فما يسمى عادة بالديمقراطية الشعبية ليست سوى « ديمقراطية » الأحزاب الدكتاتورية التي تتدخل في كل مظاهر الحياة حتى الشخصية منها وذلك باسم أخلاقيات يطبقونها على أوسع جماهير الشعب ويستثنون منها النخب والقيادات.

**الديمقراطية والسوق

عرفت البشرية السوق منذ القدم ولكن هذا الأخير لم يأخذ الأهمية التي نعرفها اليوم إلا مع بروز المجتمعات الرأسمالية التي وضعت الاقتصاد والإنتاج في محور الحياة. المجتمع الليبرالي هو مجتمع السوق والتبادل الحر بل أن التجارة تحتل مكانة مركزية في الاقتصاد.

لكن المتعمق في سير الأمور يلاحظ أن الدولة تتدخل بصفة مباشرة في تسيير الشؤون الاقتصادية من إنتاج وجباية ونفقات. كما أن القطاع الخاص يرتبط بألف خيط بالدولة (دعم أجنحة سياسية، خلق اللوبيات، تنفيذ أشغال لصالح الدولة، الخ). مع تطور المبادلات التجارية العالمية وبالخصوص بروز مؤسسات دولية تشرف على هذه التجارة برز تناقض بين عولمة الإنتاج من ناحية والحدود السياسية القومية لتدخل الدولة التي تحوّل دورها تدريجيا إلى مسيّر لهذه العمليات جاهدة للتوفيق بين هذه الظواهر المتناقضة. من ناحية أخرى فإن هيمنة الشركات العابرة للقارات واحتكارها لإنتاج مجزئ وموزع في كل أرجاء العالم جعل من حرية التجارة تجارة إجبارية. فقطاع الفلاحة وحده يبرز لنا زيف الإدعاء بوجود سوق دولية حرة حيث تلجأ الدول الأوروبية والغربية عامة إلى دعم فلاحتها عند الإنتاج والتصدير (والفلاحة الغربية لم تعد قادرة على الصمود من دون دعم الدولة) بينما تطالب بلدان الجنوب برفع دعمها لمنتجيها. يمكن القياس على ذلك في المجالات الأخرى.

إذن لا توجد سوق حرة بالمعنى الكامل وكما تروج له الدعاية النيوليبرالية بل أن التجارة الدولية التي أصبحت تحتلّ الواجهة هي في طريقها نحو القضاء على الأسواق المحلية والجهوية. إذن ما المقصود باقتصاد السوق؟ المقصود هو بالأساس توجيه اقتصاديات كل البلدان نحو السوق العالمية. هاهو الرأس المال الدولي وبعد أن أحكم قبضته على المواد الأولية وموارد الطاقة واحتكر البحوث العلمية يسعى إلى الهيمنة على الكائنات الحية وتحويلها براءات اختراع أي ملكا لحفنة من الشركات العالمية وبالتالي حرمان السكان الأصليين من حقهم في بيع هذه المواد في أسواقهم المحلية وفي الأسواق الدولية. فالنبات والحيوان والجينات بما في ذلك جينات البشر تصبح ملكا للشركات. يمنع المزارعون من تبادل بذورهم (تلك كانت من بين الإجراءات الأولى التي أقرتها قوات التحالف بعد دخولها العراق) وتفرض قوانين البراءة التي تنتفع منها المؤسسات الكبرى.

أخيرا لقد أصبحت المضاربات المالية الدولية السمة المميزة للعصر إذ يعرف ما يسميه البعض الاقتصاد الوهمي توسعا على حساب الاقتصاد الحقيقي فحجم المبادلات والمضاربات المالية يفوق حجم الإستثمارات المباشرة والموجهة لمختلف قطاعات الإنتاج.

إذن لا وجود لسوق حقيقية وفعلية.

الديمقراطية هي إعادة الاعتبار للجانب المحلي والجهوي. ينسحب ذلك على مجال الإنتاج والتسويق إذ أن الحفاظ على الخصوصيات المحلية هو في نفس الوقت حفاظ على التنوع. ففي مجال الإنتاج الفلاحي لا يمكن فرض التعاضد القسري على المنتجين وفرض توحيد الإنتاج بل لا بد من ترك الحرية لهؤلاء في اختيار الطريقة التي تلائمهم إنتاجا وتوزيعا. بطبيعة الحال لا بد للنشاط الاقتصادي أن ينصهر في مخطط عام مع التزام السلطة العمومية بتقديم العون لهؤلاء المنتجين لمجابهة القضايا التي تهمهم (التقنيات، تهيئة المساحات، تقديم النصائح، مقاومة ظاهرة التلوث والانجراف والتصحر الخ...). المعضلة لا تتمثل في وجود السوق ولكن في وجوب اضطلاع المواطن والمجموعة بدور مركزي في توجيه الإنتاج. فالديمقراطية هي مع سوق يتحكم فيها المستهلكون الذين يحددون في كل مرة حاجاتهم. أما السوق التي تتحكم فيها الاحتكارات وتفرض فيها سلعها عن طريق وسائل الدعاية فهي أبعد ما يكون عن التجارة الحرة. في الحقيقة لا يمكن لأي مجتمع أن يتجاوز الوسائط غير المباشرة التي تربط مختلف مكونات المجتمع وإلا سقطنا في الشمولية وهيمنة البيروقراطية باسم هيمنة الدولة ولكن المسألة لا بدّ أن تطرح في إطار أشمل. فللحيلولة دون الاحتكار وبروز لوبيات تتحكّم في السوق لا بدّ من إلغاء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. فالديمقراطية الحقيقة تتناقض مع العمل الأجير وتفترض العدالة في المداخيل وضرورة تحديد المجموعة لحاجياتها لا أن تتكفّل وسائل الدعاية والإشهار بفرض منتجات استهلاكية. لا بدّ إذن من أن يتحوّل العمل من وسيلة إلى كسب العيش إلى نشاط لا يخلو من الطبيعة الفنية فنعيد الاعتبار للمزارع بديل المقاول الفلاحي وللمبتكر والمبدع بديل المنفّّذ’. بخلاصة لا بدّ للعمل أن يستعيد طابعه الفني والإبداعي.

**الديمقراطية ومجالات الحياة المختلفة :

يمكن لنا أن نقسم مجالات الحياة إلى ثلاث :

  • مجال الحياة الفردية : كالحرمة الجسدية والأذواق والميول الخاصة والمفهوم الخاص للسعادة والمعتقدات الشخصية. لكن هذه الميول الفردية لا يمكن فهمها بمعزل عن المجتمع بل هي في علاقة ديناميكية معه وبالتالي لا وجود لفرد نقاربه بصفة معزولة عن محيطه. في المجتمعات الشمولية والكليانية تتدخل الدولة في هذا المجال وتحتكره وتفرض علاقة ذات اتجاه واحد. على سبيل المثال كانت السلطة السوفيتية تتدخل حتى في طريقة اللباس للمواطنين وتفرض أخلاقيات تؤول إلى ذوبان الفرد.
  • مجال الحياة الخاصة-العامة : هو ما يطلق عليه البعض بالمجتمع المدني وهو مجال يلتقي فيه الأفراد والمجموعات ويخلقون أشكالا من الفكر والفن والإنتاج والبحث العلمي وغيرها من النشاطات، كل ذلك بارتباط بالمجال العمومي. أشكال التجمع والتعاون يحددها الأعضاء وذلك بصفة مستقلة ويقوم المجال العمومي بتقديم العون لبروز مثل هذه التجمعات دون أن يفرض عليها توجهات مسبقة.
  • المجال العمومي : يشمل كل الميادين التي ترتبط بالمصلحة العامة وفي البلدان الليبرالية أصبحت هذه المجالات حكرا على قلة من الأفراد والمجموعات الضيقة.

لكي لا يتحول المجال العمومي إلى مجال خاص ولكي لا تتحول التشريعات والقوانين إلى ثوابت وضوابط مقدّسة لا بد من التأكيد وبصفة معلنة ومنصوص عليها على ضرورة تسلّح الأفراد والمجموعات بفكر نقدي بحيث « يُربّى » الفرد على العقلية النقدية. أشكال الديمقراطية التي يمكن أن نطلق عليها بالديمقراطية المباشرة لا يمكن صياغتها وتصوّرها بصفة نهائية ولكنها خلق فعلي لعامة الناس وقد تتخذ شكل مجالس أو برلمانات مصغرة جهوية ومحلية بحيث لا يتحول فيها الانتخاب إلى وسيلة لتأبيد السلطة وممارسة الاستبداد بل يصوغ من خلالها المواطنون أشكالا للمراقبة الدائمة. نعود ونقول أن السياسة الفعلية هي مشاغل الناس اليومية وليست ممارسة العمل السياسي التقليدي. كل مظهر من مظاهر الحياة علميا كان أم اجتماعيا أم ثقافيا وفنيا هو مجال للممارسة الديمقراطية التي لا يمكن حصرها في طبقة أو فئة. فالتاريخ قديمه ومعاصره يبيّن لنا أنه لم تكن الديمقراطيات الشعبية والبروليتارية سوى « ديمقراطية » الأحزاب وحفنة من « المثقفين المحترفين » بل أنه حتى داخل هذه الأحزاب كانت دكتاتورية الفرد هي السمة الغالبة والتصفيات الجسدية هي القانون. أما الديمقراطية البرجوازية التمثيلية فهي لا تعدو أن تكون ديمقراطية الأقوياء وأصحاب الجاه والمال. الديمقراطية ليست قانونا ثابتا وجوهرا نهائيا ومطلقا. هي لا تصاغ في الكتب والمقالات وإن كنا مجبرين للتطرق لها ومقاربتها بل هي بالأخص خلق متواصل لا يستقر على منهج وممارسة. نعود لنقول : لا تنفصل الديمقراطية عن ممارسة الديمقراطية. كما أن الديمقراطية الجذرية والمباشرة لا تستثني أيا كان مهما كانت معتقداته أو توجهاته. المحك يظل القضايا اليومية والفعلية التي تواجهنا كل يوم. لهذا لا يمكن للديمقراطية المباشرة أن تلجم الأصوات باسم الدفاع عن صفاء القيم والمبادئ.

**الديمقراطية والمكان والزمان :

الديمقراطية هي كما أسلفنا إعادة الاعتبار للمحلي والجهوي وللتاريخ. إن التأصل في الجهة والتعلق بالأرض والموقع والوطن شرط من شروط التضامن الاجتماعي. الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين يستند إلى انتماء وتاريخ مشتركين. فعندما يشعر الفرد أنه يتقاسم مع المجموعة ماضيا وحاضرا ومستقبلا، عندها يمكن له أن ينفتح على مجالات أوسع. فالكونية ليست نقيضا للمحلية. فالجهات والمواقع هي كأوراق الشجرة التي تتعلق بالأغصان.

« انتهى التاريخ » هكذا أقر فوكوياما. لم يعد لنا أي شيء نفعله وما تبقى من مهام لا يتجاوز عمليات التسيير. طوينا صفحة الماضي بدون رجعة ودخلنا عالما جديدا. إنه مجتمع الأنامل. دخلنا القرية العالمية.

الجغرافيا من المنظور المعاصر تغيّر مدلولها ولم تعد ترمز إلى المواقع والجهات والتضاريس والمناخ. المقصود بالجغرافيا المعاصرة هو الكل المكاني، الكون الواحد الموحد الذي تشقه الكابلات والطرق السيارة الإلكترونية والمحاط بالمراكب الفضائية والأقمار الصناعية. نحن نعيش تراجعا تاما للموقع والمكان والمجال والإقليم والقطاع والمناطق كقيم لها دلالتها ومعانيها.

المجال أو المكان لا يمكن اختزاله في شكله المعطى والخام الذي يتراءى لنا في شكل مسافات ومساحات وتضاريس وأبعاد. هو كذلك المجال المتعدد والمتنوع والفعلي والذي يبرز من خلال انبثاق أشكال جديدة لا حصر لها. إنه بالخصوص ذلك المجال الذي نخلقه، نبتكره، نصوغه ونكيفه. فالإنسان يكيف المجال حوله ويصوغه فلاحة وبنيانا وعمرانا ومعمارا وفنونا وينسج داخله علاقات ومخاييل ومهجا وأهدافا ورؤى. بارتباط بالمجال ومختلف الأشكال والصور التي ابتدعتها البشرية على مر الأزمان ظهر المزارع والصناعي والصياد والنحات والمعماري والفنان ورجل العلم والتكنولوجيا وكلها نشاطات ارتبطت بمجالات حددها الإنسان وصاغ على قاعدتها أعمالا وصورا وأشكالا وقوانين وشحنها بمعاني ودلالات. المنفى هو ليس ذلك المكان البعيد بل هو ذلك المكان الذي لا يشعر فيه الإنسان بالتواصل والتناغم بينه وبين محيطه ومجاله وبالتالي بين جملة الناس الذين يقطنونه. Robert Jaulin عالم الإثنولوجيا الفرنسي وصاحب الكتاب الشهير « السلام الأبيض » يرى أن العبيد (ويقصد بهم هؤلاء الذين يعيشون تائهين وفي حالة تشرّد) لا يعيرون أي اهتمام يذكر للمكان والموطن. يعود بنا هذا المفكر إلى عصور الأنوار لكي يسطر لنا تاريخ تهميش المكان وذلك عبر القرون التي تعاقبت وصولا إلى يومنا الحاضر. منذ انطلاقتها نددت الأنوار بالطابع الرجعي والمتخلف والبالي للتميزات والخصوصيات المحلية وذلك كنقيض للأمة National-Building. كان الشاعر النمساوي Mania Rilke Rainer يرى أن المدن الكبرى هي بصدد جرف وإفناء شعوب كاملة. فوهم المدينة المستقلة عن عالم الريف والمتنكرة له، مدينة يسكنها التجار والباعة ورجال المال بجميع أصنافهم كان الطاغي على الذهنية العامة ومخاييل الناس. نموذج الحياة العصرية يُشخّص في مدينة تخلّصت من كل أثر « للبربرية الفلاحية ». في هذا الإطار كان رجال المدينة يقارنون المزارعين بـ« الأمم المتخلّفة وغير المتحضرة ». يرى Fernand Braudel أنّ الأرياف في الغرب كانت تعتبر بمثابة مستعمرات. في المقابل ظهرت حركة رومانسية اختصّت بنقدها اللاّذع والصريح لهذا التوجّه ودعت إلى إعادة الاعتبار للمجالات والمواقع المفقودة. مع بروز المدن الكبرى والشبكات المعماريّة المحيطة بها وذلك على حساب المدن الصغرى والقرى ظهرت شبكات الطرقات وخصوصا منها الطرق السيارة التي ساهمت في تهميش مناطق والتهمت أراضي ومساحات شاسعة وبذلك تعمّقت المركزيّة وأصبح يرمز إلى سكّان القرى والمدن الصغرى بسكان المحافظات والدوائر أي ما يعادل عندنا بـ« الآفاق ». لقد تجسّدت سلطة المدينة في كونها أحكمت الطوق على الريف الذي تعتمد عليه في غذائها وذلك بدهائها وحيلها. فبالتحكّم في الأسواق المالية والمعلومات والأسعار وفرضها لتكنوليجيتها من آلات وأسمدة ومبيدات نجحت المدينة في تحقيق رهانها في فرض المركزة. إنه رهان الأزمنة المعاصرة والمتمثّل في فصل الإنسان عن تقنياته. وقع فصل المزارعين عن بذورهم وتعويضها بالبذور المهجنة التي تمتلكها شركات كبرى منتصبة في المدن و تبخّرت آلاف البذور والأعشاب والأشجار التي جهد المزارع قرونا في إعدادها وأقلمتها مع المحيط.

عرف تهجير الأرياف تصاعدا مستمرّا منذ الأنوار وشيئا فشيئا تغلّبت التجارة والنقل والمرور والترويج والعبور على المجال والمنطقة والأرض والانتماء والتأصّل. في العالم قاطبة يتخلّى الإنسان عن الأرض. أما البقيّة الباقية من الذين مكثوا في الأرياف فهم معرّضون للتداين وتحوّلوا إلى أشباه مرتزقة للآلة المدينية.

تذوب المدينة العصرية في تيار وسيل ودفق من العلاقات والشبكات الواسعة وصولا إلى الوهمي وغير المرئيّ والافتراضي. الجديد مع بروز التقنيات العصرية وخصوصا تقنيات الاتصال الحديثة هو أنه حتى المراكز السكنية والعمرانية الكبرى تتعرّض هي الأخرى للتهميش. فبعد أن همّشت المدينة الريف على مدى قرون من الزمن هاهي الأخرى تتعرض لنفس المصير. منظمة اليونسكو تتنبأ بزوال 500 مليون مزارعا إلى حد سنة 2020 وذلك بفعل المكننة المكثفة للأرياف وتعميم البذور المحورة جينيا إضافة إلى مشاريع السدود العملاقة التي ستساهم في محو مئات بل آلاف من الأرياف في بعض البلدان. مع القرية العالمية ومجتمع الكابلات لم يعد للموقع والمكان حسابا وقيمة سواء كانت مدينة أم ريفا. القطيعة بين المدينة والريف تجسّد القضاء على كل تواصل واستمرار : الطبيعة، البحر، الهضبة، المعابر... الخ. تهميش المجال والمكان والموطن يقابله تعظيم ورفع من شأن الزمن الحاضر : العصر المابعد صناعي، عصر المعرفة، عصر الثورة التقنية المذهلة ( والحال أنه مادامت هذه الثورة المباركة من صنع الإنسان فلا مجال ولا مدعاة للإنبهار إلا إذا ما أريد لنا أن نصمت ونخاف ونندهش ونقدس هذا التقدم).

لم يقتصر الزمان على إلغاء المجال والحلول محلّه بل أنه يلغي ذاته نفسها. فهوس المستقبل والخوف منه والصراع من أجل البقاء وضمان موقع فيه جعلنا نعيش نقصا في المصير. المخاطر تحفّ بنا من كل جانب : أوبئة، فيضانات، عدم استقرار، افتقاد الأمن والأمان، حروب، تناقص موارد المياه والطاقة، تلوث البحار، مخاطر ناتجة عن البحوث البيوتكنولوجية. العلم والتكنولوجيا استقلا عن المجتمع والثقافة ولا يخضعان للمراقبة. « لنكن أسياد وأصحاب الكون » مقولة لديكارت تحكمت في مصير البشرية منذ الأنوار إلى حد يومنا هذا. لكن كلما نتحكم إلا ويزيد عجزنا، كلما نتنكر للأرض والمكان والموطن إلا ونتيه في عالم الكوابل وتنتقم منا الطبيعة. كلما طوينا الماضي وواريناه التراب إلا وانتفض وتمسك بتلابيبنا. في زمن لم يعد يعير أي اهتمام للزمان والمكان لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية لأن هذه الأخيرة هي خلق تاريخي اجتماعي مرتبط بمجال وميدان ينحته الناس بمعية بعضهم البعض. أما وقد تحولت المواطنة إلى انتماء لعالم مبهم فوق المكان والزمان فذلك يعني أننا دخلنا مرحلة جديدة لا تمت للديمقراطية في شيء. فإذا كانت الديمقراطية هي السعي لإيجاد حياة جماعية نتواصل فيها لا فقط عن طريق الشفرات والرسائل الإلكترونية أو من خلال النقاش بل وبالخصوص من خلال الممارسة المشتركة، أي ممارسة النشاطات اليومية فهذا يعني صراحة أننا دخلنا مرحلة جديدة من الاستبداد لكن هذه المرة باسم العلم وتحرير التجارة.

لا تنحصر الأزمة التي يمر بها عالم اليوم في الأزمة الاقتصادية. فهي بالأساس أزمة الأسس التي بني على قاعدتها النظام العالمي وأزمة « المعايير » بل هي كما توصل إلى ذلك العديد من المفكرين أزمة وجود. إنها أزمة الديمقراطية الشكلية. التحديات المعاصرة لا تنحصر في مواجهة بعض القضايا الجزئية والمحدودة بل إن الأطر الوطنية والقومية لم تعد توفي بحاجيات الإنسانية. لا بد من طرح المسألة الديمقراطية في إطار أوسع من خلال إرساء علاقات دولية عادلة وذلك على كل المستويات. لا يمكن للديمقراطية أن تتحول إلى مفهوم مبهم مستقل عن المكان والزمان بل لا بد من تكريس الديمقراطية محليا لأن ذلك شرط من شروط الديمقراطية الشاملة وما من شك أن شمولية الديمقراطية لن تتجسد في انتهاج شكل واحد للتعبير السياسي بل إنها تسلك معابر مختلفة بما أنها خلق بشري.

إذن كيف تتراءى علاقة الديمقراطية بالماضي؟ الديمقراطية هي موقف من الحاضر والمستقبل وكذلك الماضي. فالرنو إلى مستقبل متحرر وأوتونومي لا يعني البتة القطع مع الماضي. فاللغة وأنماط السلوك والنشاط وأجزاء هامة من البنية الاجتماعية لا تخضع لهذا التغيير مهما كانت جذريته. فلا يمكن على سبيل المثال التنكر للتراكمات العلمية والفنية وللمعارف العامة لعموم الناس باسم ثورية مزعومة. فالتاريخ يلاحقنا ويلاحق مواضيع معرفتنا. فهل يمكن لنا أن نتحدّث عن « أنساق » بيولوجية أو فيزيائية لكائنات حية من دون أن نتعرض لصيرورتها وتاريخها وأصلها الخاص وفي علاقة بالمحيط؟ فهيكلة الكون تفترض تاريخا له. لقد أخطأ « وايتهيد » حين ادعى أن علما يتردد في نسيان مؤسسيه هو علم محكوم عليه بالركود والجمود. فاستعادة المواضيع القديمة التي تجاهلها العلم الحديث أصبح في بعض الأحيان أهم وأوكد من الغوص في مسائل رائجة وتحكمها الموضة. فلا يمكن لنا أن نتقاسم المعارف الجديدة إلا بإعادة اكتشاف المعارف القديمة التي تشمل العالم المباشر. فالعلم الحديث الذي اعتنى بالذّرّة والكواكب والأدق والأوسع تغافل عن قضايا هامة كدراسة حركة الرياح والبحار والطاقة الشمسية والديناميكا الحرارية والبراكين والطقس وعلم المواد بل أن العلم المعاصر المتباهي بانتصاراته لا يعلم عن الكائنات الحية إلا القليل أي عشرها. أما المعارف العملية لعموم الناس فقد نظر لها العلماء المعاصرون بازدراء إذ هي تعتمد التجربة المباشرة ولا ترتقي إلى التجربة الموضوعية المخبرية التي تستند لتكنولوجيا متقدمة. تنكر العلم الحديث للتراكمات المعرفية حول البذور وأساليب الري والتربة ومقاومة الآفات والنباتات الطبية (والحال أن أكثر من 15 ألف مادة صيدلية مستخرجة من النبات) والمواد المستعملة في البناء والعادات الغذائية السليمة والصحية. تنكر الإنسان المعاصر للتراكمات الحاصلة في ميدان الفنون من نحت وعمران وموسيقى ورسم والنتيجة أننا نسير في طريق لزجة لا ندري أين نتوجه لأننا قطعنا قطعا كاملا مع الماضي. لا بد إذن للديمقراطية أن تستعيد هذا الإرث الإنساني لأنه لا يمكن للبشرية أن تنطلق من فراغ.

** الديمقراطية وحقوق الإنسان :

المتمعّن في الخطاب النيوليبرالي المعاصر يلاحظ تركيزا مبالغا فيه على حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية في كل أرجاء المعمورة. لقد تدعّم هذا الخطاب خصوصا في السنوات السبعين. في البلدان الغربية رفعت لواء النضال من أجل حقوق الإنسان مجموعات من المثقفين الذين كانوا في معظمهم محسوبين على اليسارية بتلوناتها المختلفة والذين اكتشفوا فجأة حقوق الإنسان وذلك على ضوء الفظائع التي حصلت في بلدان المعسكر السوفيتي. تحوّل الخطاب إلى مطلب لفئة ضيقة قدّمت نفسها كضحية لهذا القهر الذي تعرضت له الشعوب على مدى عقود وقد تماهى معهم عديد من المثقفين من بلدان الجنوب فأصبح النضال من أجل حقوق الإنسان ضربا من المطالبة بحقوق فئة معينة من المجتمع. ساهمت الحركات « الاشتراكية الديمقراطية » و« الإصلاحية » في هذه الموجة بل أن جزءا هاما من هذه الأخيرة قد وقع استقطابه من طرف القوى النيوليبرالية وأصبح يقوم بدور الوسيط في فرض مشاريع الهيمنة والتوسع. هكذا تحولت حقوق الإنسان على أيدي هؤلاء إلى حقوق شكلية لأقلية من المحترفين السياسيين الذين يبتغون موقعا في المشهد السياسي العام.

** الديمقراطية إلى أين نحن في زمن الديمقراطية الافتراضية، ديمقراطية الأنامل والأعداد، ديمقراطية المال والقوة، ديمقراطية تفرض علينا الصمت والسكون والتقبل. هي ديمقراطية التبادل التجاري والاستهلاك. كل يستهلك حسب قدرته : فهذا يستهلك الأمم والبلدان وذاك يستهلك الخيرات المنجمية والفلاحية وذاك يستهلك قدرات الناس ومعارفهم ويحولها بعد ذلك براءة وملكا خاصا وذاك يستهلك المنتجات التافهة وأخيرا تستهلك الفئات الضعيفة التي لا تقدر على دفع أسعار المنتجات أوهاما تبثها لها وسائل الدعاية. أليست هذه قمة الديمقراطية العصرية. فعلا وكما توصّل لذلك بعض المفكرين المعاصرين كلما تخلفت الثقافة إلا وزاد الاستهلاك الذي أصبح ثقافة العصر. ديمقراطية السوق المفروضة عن طريق الإشهار والتبادل التجاري الحر و« المنافسة الشريفة » كلها أكاذيب تفنّدها الفضائح المالية والسياسية اليومية. أصحاب الجاه والمال لا يتوانون عن الكذب وسرقة أموال العموم والإدلاء بنتائج وهمية كما حدث بالنسبة للشركة العملاقة Enron وأمثال هذه الحالة كثيرة. فحتى الديمقراطية الاقتصادية والتجارية التي وعدوا بها لا نجد لها أثرا في الواقع الملموس بل نجد تحالفا مشبوها بين الشركات الكبرى وبين السلطة السياسية.

لقد تراجع ذلك الدور الذي قام به المواطن الغربي في دحر سلطة الكنيسة المستبدة لكي ينصهر في البداية في الدولة-الأمة ويتحول إلى ما أطلق عليه البعض بالمواطن-الجندي الذي يجوب الأمصار ل« يحضّر » الشعوب البربرية« لينتهي به المطاف في هذا العصر إلى حالة »المواطن-المستهلك" المجرّد من كل سلاح وبالأخص منه النقد والمراجعة. من المثير للدهشة أنه في مجتمع يدّعي أنه في طريقه لتعميم الديمقراطية وعولمتها بفضل التكنو-علوم والزيادة في الإنتاج نجد أن أقل من 3% من المجتمع ينتمون للأحزاب أو النقابات. هناك مواطنون دون مواطنة. المواطن لا يعرف حتى ماذا يأكل بما أن الشركات العملاقة ترفض وضع بيانات حول طريقة الإنتاج (الغذاء المحور جينيا). الانتخابات في البلدان الغربية تخضع لضغوط المؤسسات المالية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية تؤثر مؤسسة National Rife Association (وهي منظمة تدافع عن الحق في حمل سلاح خاص) على نتائج الانتخابات بفضل الدعم المالي الذي تقدمه لمرشحيها.

اليسار التقليدي الذي انبثق من قلب الأنوار وترعرع في رحم الليبرالية وشبّ على حب « التقدم » (ومن هنا جاء مصطلح « التقدمية ») والإنتاج والإنتاجية والانبهار الأعمى بالتكنولوجيا صادر إلى حدّ كبير ذلك التّوق إلى الحرية والذي تجسد في الحركات الاشتراكية الماقبل ماركسية. سرق هذا اليسار ذلك الحس العام لدى العمال ولدى الشعب بصفة عامة ليؤطره ويوجهه الوجهة التي يريدها وإذا بنا أمام ثنائية (حركة ليبرالية وأخرى اشتراكية ديمقراطية) تعبر عن نفس الأزمة والمأزق.

لقد حبست الليبرالية القدرة على تخيل شيء مخالف لها إذ هي تقدم كل « إنجازاتها » باسم العلم الذي يسمو على كل معرفة. الخطاب النيوليبرالي يمزج بين الدعوة لديمقراطية افتراضية بدون مواطن ولا مجال أو زمان أي ديمقراطية فارغة من كل محتوى ملموس وبين شمولية طريّة سلسة تخترق المخاييل وتغزوها وتحبس العقل والخيال بما أن أحكامها تستند إلى « عقلانية » انفلتت من عقالها فأصبحت في نفس الوقت كل شيء ولا شيء. الديمقراطية الليبرالية تحتضر ولكن الإنسان لم يعلن بعد الاستقالة للأيدي الخفية ولا لقوانين التاريخ حتى وإن زعم أصحابها أنها علمية (كلما أريد لفكرة النجاح تلحّف أصحابها بالعلم والعقلانية تماما كما كان المستبدون السابقون يشرّعون أحكامهم باسم الدين ويقدمون أنفسهم بصفتهم ورثة الله في ملكه). نحن في مرحلة ما بعد الديمقراطية ونقصد بها ما بعد الديمقراطية التمثيلية. لقد انهارت كل الأسس التي بنيت عليها الديمقراطية الغربية وهاهي تتراجع حتى عن المبادئ التي أعلنتها. لم يبق لدعاة الديمقراطية الكاذبة إلا الوعيد والوعود. لقد عرفت العشرية الأخيرة بداية استفاقة اتخذت أشكالا متعددة وأفرزت ممارسة جديدة للديمقراطية لا تمت للديمقراطية الشكلية في شيء وتتناول القضايا المختلفة للشعوب. مع تعمق أزمة النيوليبرالية محليا وعالميا وفشل حركات اليسار التقليدية وبأنواعها في تقديم بديل مغاير بدأت تلوح بوادر نهضة عالمية جديدة تتجاوز المألوف وتصيغ الجديد. لا يمكن أن نتنبأ إلى أي حدّ ستتعمق هذه الحركة وتتسع لكننا نستشعر بذرات وعي كوني جديد قد يفضي إلى مقاربات فذّة تساهم في إخراج البشرية من عنق الزجاجة الذي وضعتنا فيه الليبرالية الجارفة.


المراجع

كورنيليوس كاستورياديس : تأسيس المجتمع تخييليا، دار المدى، سوريا

Cornelius castoriadis : La montée de l’insignifiance , seuil, 1996

Serge Latouche : La Planète des naufragés ,La découverte, 1993

Serge Latouche : Le pari de la décroissance, Fayard, 2006

Christopher Lasch : The World of Nations ; Reflections on American History, Politics, and Culture (New York : Knopf, 1973)

Jean-Claude Michéa : Impasse Adam Smith (Brèves remarques sur l’impossibilité de dépasser le capitalisme sur sa gauche), Éditions Climats


Commentaires